المجتمع, الهوية

الولاء الأعمى للغرب!

نُشر في ٤ شباط ٢٠٢٦ م

صورة الغلاف لـ الولاء الأعمى للغرب!

تيه حقيقي ووعي زائف... هل هو انتشار أم عدوى؟

 

لعلي بهذا العنوان اقتبس قول المفكر والفيلسوف عبدالله العروي، عندما قال: أن استيراد الحداثة دون شروطها التاريخية يحولها إلى قناع زائف، وأن الوعي الزائف أخطر من الجهل... لا أنت مع التراث ولا أنت مع الحداثة...

 

ولكن قبل المشكلة يجب أن نميز بين الانتشار والعدوى!

 

أعتقد أن أكبر معضلة أصابت مجتمعاتنا هي عدوى فكرية تسللت بهدوء عبر لغة الإعلانات، أو أن هناك فكرة للنجاة أدت إلى الارتماء في حضن يقدم نفسه كنموذج خلاص أو قدر نهائي للتاريخ، وكأن الحضارات خطوط مستقيمة لا انعطافات فيها ولا تصدعات.

 

والسؤال الذي يطرحه الغرب: النجاة من ماذا؟

 

من الفقر أم من المعنى؟ من التخلف أم من سؤال الهوية؟ من هشاشة الاقتصاد أم من قلق الوجود؟

 

هنا يبدأ قصر النظر، حين يختزل الرقي في قشرة الحضارة وفي لمعان الواجهات الزجاجية، وفي وجوه بيضاء مصقولة بالآلة.

 

شبكة معقدة من التناقضات الصامتة: اقتصاد رأسمالي متوحش يتغذى على الاستهلاك القهري، فردانية مفرطة، أخلاقيات نفعية تعرف الإنسان بوصفه جسدًا منتجًا أو رغبة متحركة أو رقمًا في إحصاء، حيّدت الأسرة في فراغ الحرية المطلقة، حرية الجسد وحرية الشذوذ، وكل ذلك يقدم كذروة للتقدم وكعلامة نضج حضاري.

 

وتتراكم تحت السطح أسئلة كثيرة: أطفال بلا آباء، أمراض نفسية، وأجيال تبحث عن الانتماء، وفضائح في العلن.

 

الفضائح لم تعد استثناء، بل أصبحت تظهر في العلن وبمراكز القرار، وفي ما يسمى النخب التي لا تتردد في إعطاء النصائح، خطاب إنساني للاستهلاك الخارجي.

 

وهنا أعود إلى العنوان: يجب علينا أن نميز بين الانتشار والعدوى. لعل أحدهم يقول إن تلك الظواهر انتشرت في مجتمعاتنا.

 

وهنا أقول: كلمة "انتشرت" هي مفتاح الفهم، لأن الانتشار جاء عن طريق التقليد، وعن طريق الاستيراد، وعن طريق غياب المناعة الثقافية، وبذلك أصبحت عدوى حقيقية.

 

هكذا تتشابك الأسئلة: هوية، معنى، سيادة ثقافية، قيم، اغتراب وجودي.

 

كلها تتدفق في نهر واحد، نهر يبحث عن مصب، وعن توازن بين الهوية أو التراث والحداثة، بين المسؤولية والحرية، بين المناعة والانفتاح.

 

في هذا التيه يتردد صوت عبدالله العروي كقلق منهجي، يذكر أن استيراد الحداثة دون شروطها التاريخية يحولها إلى قناع زائف، وأن الوعي الزائف أخطر من الجهل.

 

لذا علينا ترتيب أنفسنا بهدوء وبصيرة، ودون ضجيج.

المهندس رائد شموط

بقلم

المهندس رائد شموط