ينطلق المقال من مفهوم «رؤية العالم» بوصفه أطروحة فلسفية ألمانية تشير إلى مجموعة المسلمات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تشكل نظرة الأفراد والجماعات والدول إلى ذواتهم وإلى العالم. ويوضح الكاتب أن هذا المفهوم يتسع، عند تطبيقه على الأمم والدول، ليشمل الاعتبارات الجيوسياسية والجيواستراتيجية، وأنه استُخدم في الفكر العربي لتحليل أسباب الانحطاط والتأخر ومحاولات النهوض والتغيير. ويستعرض الكاتب اهتمامه الطويل بهذه الأطروحة من خلال دراسته في ألمانيا وعمله في تحرير مجلتي «الفكر العربي» و«الاجتهاد»، مؤكداً أن هدفه لم يكن الدعوة إلى تغيير ثوري شامل بقدر ما كان فهم التحولات الدينية والسياسية وتفسيرها. يركز المقال على عام 1979 باعتباره نقطة تحول كبرى بسبب تزامن ثلاثة أحداث: تصاعد الأصولية الإسلامية وقيام الثورة الإيرانية، والتدخل السوفياتي في أفغانستان، وصعود البابا يوحنا بولس الثاني. ويرى الكاتب أن هذه الأحداث دشنت صراعات جديدة بين رؤى دينية وسياسية متنافسة، وأسهمت في تشكيل تحالفات دولية استخدمت الدين في مواجهة الشيوعية، ثم تركت آثاراً عميقة في المجتمعات العربية والإسلامية. كما يناقش فشل الحوار بين الأديان في تحقيق السلام، رغم الحديث المستمر عن القيم الأخلاقية المشتركة، لأن المصالح السياسية ورؤى العالم المتعارضة ظلت أقوى من التوافقات النظرية. وفي تحليله لإيران، يربط الكاتب بين وحدة الهضبة الإيرانية والصيغة القومية والأيديولوجيا المذهبية الشيعية، معتبراً أن اجتماع هذه العوامل يولد نزعات إمبراطورية ويدفع نحو التوسع الإقليمي. ويشير إلى أن الثورة الإيرانية لم تكتف ببناء نظام داخلي، بل سعت إلى اختراق المجتمعات العربية والإسلامية وتوظيف الانقسامات المذهبية والسياسية. وقد تزامن ذلك، بحسب المقال، مع صعود حركات التطرف والإرهاب، وتفكك بعض المجتمعات العربية، وتدخل قوى دولية وإسرائيل في المنطقة تحت ذرائع مختلفة، بما أدى إلى إضعاف الدول واستباحة سيادتها. يدافع الكاتب عن الدولة الوطنية العربية باعتبارها الإطار الأقدر على حماية وحدة المجتمع ومواجهة الانقسامات والتدخلات. ويرى أن القوى الأصولية والإيرانية وبعض الأطراف الدولية تشترك في معاداة هذه الدولة، سواء بوصفها نتاجاً استعمارياً أو كياناً معادياً للدين أو عاجزاً عن مواجهة إسرائيل. ويؤكد أن الدول العربية المتماسكة كانت أكثر قدرة على مقاومة النفوذ الإيراني، بينما تحولت الدول الضعيفة والمنقسمة إلى ساحات للصراع والهيمنة. ويحدد المقال تحديين رئيسيين أمام العرب: إقامة الدولة الفلسطينية ومواجهة المطامع الإيرانية، لكنه يحذر من الانخراط في حروب تخوضها قوى أخرى ضد إيران خدمةً لمصالحها الخاصة. ويختتم بالدعوة إلى توحيد الجهود العربية، وتطوير تجربة الدولة الوطنية، وتعزيز التنمية والسلام والتعاون الدولي، واستعادة الاعتدال والسكينة في المجال الديني لمواجهة الأصوليات والنزعات الانتحارية.
اشترك في النشرة الإخبارية للحصول على أحدث المقالات والتحليلات والفعاليات مباشرة في بريدك الإلكتروني.