قراءة في المشهد الحزبي الأردني.. بين الحضور البرلماني والتأثير الشعبي
أظهرت التجربة البرلمانية الأخيرة أن مجلس النواب لم يعد مجرد ساحة للتشريع والرقابة، بل تحول بصورة متزايدة إلى منصة سياسية وإعلامية قادرة على إعادة إنتاج حضور الأحزاب والشخصيات العامة، وربما إعادة تشكيل صورتها ومكانتها لدى الرأي العام.
ومن أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا السياق أن الحركة الإسلامية كانت من أكثر القوى السياسية قدرة على توظيف المنبر النيابي لتعزيز حضورها في الشارع، مستفيدة من خبرتها التنظيمية وقدرتها على اختيار القضايا واللحظات التي تتقاطع مع اهتمامات الجمهور ومزاجه العام.
البرلمان بديلاً عن الشارع
في مراحل سابقة، اعتمدت الحركة الإسلامية بصورة كبيرة على المسيرات والاعتصامات والتجمعات الشعبية للتعبير عن مواقفها وحشد أنصارها. إلا أن وجودها النيابي وفر لها منصة أكثر تأثيراً؛ فالموقف الذي يطلق من تحت قبة البرلمان ينتقل خلال دقائق إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ويصل إلى جمهور أوسع بكثير من جمهور أي فعالية ميدانية.
وتبرز تجربة النائب صالح العرموطي مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تمكن من بناء حضور سياسي وإعلامي يتجاوز حدود دائرته الانتخابية، وأصبحت مداخلاته ومواقفه تحت القبة مادة متداولة بكثافة عبر المنصات الرقمية، بما يعكس قدرة بعض الشخصيات النيابية على تحويل المقعد البرلماني إلى منصة وطنية واسعة التأثير.
وفي المقابل، لم تستطع شخصيات حزبية ونيابية أخرى تحقيق مستوى مماثل من الحضور الشعبي، رغم أن جزءاً مهماً من عملية التحديث السياسي استهدف توسيع قاعدة المشاركة الحزبية وإنتاج قوى سياسية وبرلمانية أكثر حضوراً وتأثيراً.
الدورة الاستثنائية.. حين كسبت الحركة الإسلامية معركة الحضور
ولعل ما جرى خلال مناقشة مشاريع القوانين في الدورة الاستثنائية الأخيرة يقدم نموذجاً أكثر وضوحاً على قدرة الحركة الإسلامية وكتلة حزب الأمة على استثمار المنبر النيابي. ففي الوقت الذي انشغل فيه المجلس بمناقشة قوانين تمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة مصالح المواطنين وحقوقهم وحياتهم اليومية، استطاع نواب الكتلة أن يجعلوا من مداخلاتهم ومواقفهم مادة حاضرة في النقاش العام، وأن يقدموا أنفسهم أمام قطاع من الرأي العام باعتبارهم الأقرب إلى نبض الشارع والأكثر تعبيراً عن مخاوفه وتساؤلاته.
ولم يكن الأمر مرتبطاً دائماً بقدرتهم على تغيير النصوص أو حسم التصويت لمصلحتهم؛ فالمعادلة السياسية والإعلامية مختلفة عن معادلة التصويت داخل المجلس. قد تخسر الكتلة تصويتاً على مادة قانونية، لكنها تكسب في الوقت نفسه مساحة واسعة لدى الجمهور عندما تنجح في إيصال رسالة واضحة تقول فيها: نحن اعترضنا، نحن حذرنا، ونحن تبنينا وجهة النظر الأقرب إلى ما يطالب به المواطن.
وهنا تحديداً بدت الحركة الإسلامية أكثر قدرة من بقية الكتل والأحزاب، وحتى من عدد من النواب المستقلين، على فهم الفرق بين الموقف البرلماني والموقف الجماهيري. فالنائب لا يحتاج فقط إلى أن يتحدث تحت القبة، وإنما إلى أن يجعل المواطن خارجها يعرف ماذا قال، ولماذا اعترض، وما البديل الذي يطرحه.
وخلال مناقشات الدورة الاستثنائية، برزت أسماء من كتلة الأمة في النقاشات والمداخلات والاعتراضات، وساعدت طبيعة القضايا المطروحة وسرعة تداول المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي على تكريس صورة لدى جزء من الجمهور بأن هذه الكتلة أكثر التصاقاً بقضايا المواطن، سواء اتفق المرء مع مواقفها أم اختلف معها.
وفي المقابل، لم تنجح كتل حزبية أخرى بالقدر نفسه في تحويل مشاركتها في مناقشة القوانين إلى حضور شعبي وإعلامي واضح. وقد يكون نوابها شاركوا وناقشوا واقترحوا وعدلوا وصوتوا، وربما حقق بعضهم نتائج تشريعية فعلية، لكن جانباً مهماً من ذلك لم يصل إلى المواطن بالصورة ذاتها.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن السياسة لا تقاس فقط بما أنجزه النائب داخل قاعة المجلس، وإنما أيضاً بقدرته على شرح هذا الإنجاز أو الموقف للناس. وإذا كان المواطن لا يعرف ماذا فعل الحزب أو لماذا صوت نوابه بهذه الطريقة، فإن جزءاً أساسياً من العائد السياسي لذلك الأداء يضيع.
الأكثر أهمية أن نواب الحركة ظهروا في كثير من الأحيان كفريق له هوية واحدة. عندما يتحدث صالح العرموطي أو ينال فريحات أو ديما طهبوب أو أحمد القطاونة أو أحمد الرقب، يستطيع المتابع في الغالب ربط النائب بالتيار السياسي الذي يمثله. وهنا تتحول شهرة النائب إلى رصيد للحزب، ويتحول موقف الفرد إلى جزء من صورة جماعية أكبر.
وهذا ربما كان أحد أهم مكاسب الحركة الإسلامية خلال الدورة الاستثنائية: لم تكن وحدها التي ناقشت أو اعترضت أو قدمت مقترحات، لكنها كانت من الأكثر قدرة على تسويق موقفها السياسي وتحويل النقاش التشريعي إلى اتصال مباشر مع الشارع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحركة الإسلامية أصبحت الممثل الوحيد لمطالب المواطنين، أو أن بقية النواب والكتل بعيدة عن قضاياهم، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى قياسات ودراسات للرأي العام. لكن ما يمكن رصده سياسياً وإعلامياً هو أنها نجحت في إنتاج هذه الصورة والانطباع بدرجة أكبر من منافسيها.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تقلق الأحزاب الأخرى أكثر من عدد مقاعد الحركة الإسلامية: المنافسة لم تعد فقط على التصويت تحت القبة، بل على من يستطيع إقناع المواطن بأنه صوته داخل القبة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الدورة الاستثنائية لم تكن مجرد محطة تشريعية لمناقشة مجموعة من القوانين، وإنما تحولت، من حيث لم يكن مقصوداً ربما، إلى اختبار مبكر لقدرة الأحزاب على مخاطبة الشارع.
وفي هذا الاختبار، استطاعت الحركة الإسلامية وكتلة حزب الأمة أن تلفتا الانتباه، وأن تستثمرا اللحظة البرلمانية سياسياً وإعلامياً، بينما بقي السؤال مطروحاً أمام الميثاق ومبادرة وعزم وبقية الكتل والمستقلين:
كيف يمكن امتلاك عدد معتبر من المقاعد تحت القبة، من دون أن يشعر المواطن بالقدر نفسه من حضور الحزب إلى جانبه خارجها؟
سؤال الأحزاب الجديدة
هذه المفارقة تفتح باباً لتقييم تجربة الأحزاب التي نشأت أو أعادت تشكيل نفسها خلال مرحلة التحديث السياسي.
فالمشكلة لا تتعلق بعدد الأحزاب أو أعداد المنتسبين إليها بقدر ما تتعلق بقدرتها على إنتاج سياسيين يمتلكون المعرفة والخطاب والقدرة على التواصل مع الجمهور. الحزب لا يصبح مؤثراً بمجرد امتلاكه مقراً وأميناً عاماً وهيكلاً تنظيمياً وقائمة انتخابية، وإنما من خلال امتلاكه رؤية سياسية وبرنامجاً واضحاً وكوادر قادرة على الدفاع عنهما وإقناع الناس بهما.
وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الحركة الإسلامية تاريخياً، والمتمثلة في الاستثمار طويل الأمد في البناء التنظيمي والتثقيف الفكري والسياسي لأعضائها. وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مرجعياتها الفكرية والسياسية، فإن الحركة طورت عبر عقود آليات داخلية لإعداد كوادرها وتدريبها على الخطابة والحوار والنقاش والعمل العام.
وتظهر أسماء مثل صالح العرموطي وينال فريحات وأحمد القطاونة وأحمد الرقب وديما طهبوب وغيرهم قدرة واضحة على استخدام الأدوات البرلمانية والإعلامية وتقديم خطاب يصل بسرعة إلى الجمهور، في وقت لا تزال فيه أحزاب أخرى تبحث عن شخصيات قادرة على بناء حضور مماثل.
أين الأحزاب الأخرى؟
لكن الإنصاف يقتضي ألا تُختزل التجربة الحزبية في الحركة الإسلامية وحدها. فالمجلس يضم قوى حزبية أخرى لها وزن عددي وتنظيمي معتبر، وفي مقدمتها الميثاق الوطني، ومبادرة الذي جاء نتيجة اندماج إرادة وتقدم، وعزم، إلى جانب قوى وتشكيلات أخرى.
هذه الأحزاب تمتلك نواباً معروفين، وبعضهم أصحاب خبرة سياسية وبرلمانية وعامة، ولديهم حضور داخل اللجان والمكتب الدائم والمناقشات التشريعية والرقابية. لكن القضية التي تستحق التوقف عندها ليست فقط: كم نائباً يمتلك الحزب؟ وإنما: كم نائباً يعرفه المواطن باعتباره ممثلاً لذلك الحزب؟
فقد يعرف المواطن نائباً باسمه، أو بعشيرته، أو بمنطقته، أو بمواقفه الفردية وخدماته، لكنه قد لا يعرف الحزب الذي ينتمي إليه. وقد يتابع مداخلة لنائب ويحفظ اسمه، دون أن يستطيع تحديد البرنامج السياسي الذي يمثله أو موقف حزبه من القضية التي يتحدث عنها.
وهذا يعني أن بعض الأحزاب نجحت في إيصال أشخاص إلى البرلمان أكثر مما نجحت، حتى الآن، في إيصال هويتها السياسية إلى المجتمع.
والفارق هنا جوهري.
الحركة الإسلامية تقدم نفسها بصورة أوضح كقوة سياسية ذات خطاب ففي الحالة الإسلامية، يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين النائب والهوية السياسية التي يمثلها؛ فحين يتحدث صالح العرموطي أو ينال فريحات أو ديما طهبوب أو أحمد القطاونة أو أحمد الرقب، يدرك قطاع واسع من المتابعين الإطار السياسي الذي ينتمي إليه المتحدث، حتى قبل ظهور اسم الحزب على الشاشة.
أما في الأحزاب والكتل الأخرى، فالصورة تبدو مختلفة؛ فهناك شخصيات نيابية معروفة وذات حضور وخبرة سياسية وبرلمانية، مثل مازن القاضي وعلي الخلايلة في الميثاق الوطني، وخميس عطية وحسين العموش في مبادرة، وإبراهيم الصرايرة في عزم، إلى جانب شخصيات معروفة مثل أحمد الصفدي وأندريه الحواري.
لكن السؤال: كم مواطناً عندما يشاهد مداخلة لأحد هؤلاء يربطها مباشرة بالحزب الذي ينتمي إليه؟ وكم مواطناً يستطيع أن يقول إن هذا الموقف يمثل موقف الميثاق أو مبادرة أو عزم، وليس مجرد موقف شخصي للنائب؟
فالمواطن قد يعرف أحمد الصفدي بوصفه رئيساً سابقاً لمجلس النواب، ويعرف أندريه الحواري من خلال حضوره النيابي ومداخلاته، ويعرف مازن القاضي أو خميس عطية وغيرهما من خلال مسيرتهم السياسية والعامة، لكنه قد لا يربط تلقائياً بين كل واحد منهم وبين الحزب الذي ينتمي إليه، أو يعرف ما إذا كان الموقف الذي يطرحه يمثل موقفاً حزبياً أم موقفاً شخصياً.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يكون بعض هؤلاء النواب معروفاً على المستوى الوطني ويمتلك خبرة سياسية ونيابية طويلة، وربما يكون اسمه أكثر حضوراً من أسماء نواب في الحركة الإسلامية، لكن شهرة النائب لا تتحول بالضرورة إلى شهرة للحزب أو إلى رصيد سياسي له.
وهذه ليست مشكلة إعلامية فقط، وإنما مسألة تتعلق بمدى رسوخ التجربة الحزبية، وقدرة الحزب على جعل النائب واجهة لبرنامج وهوية سياسية جماعية، لا مجرد شخصية نيابية ناجحة بذاتها.
الميثاق ومبادرة وعزم... قوة برلمانية تبحث عن هوية شعبية
يمثل حزب الميثاق الوطني نموذجاً لحزب يمتلك حضوراً مهماً داخل المؤسسة البرلمانية وشخصيات لديها خبرات سياسية وعامة، لكنه يواجه، مثل غيره من الأحزاب الجديدة، تحدي تحويل هذا الوزن النيابي إلى هوية سياسية شعبية يستطيع المواطن تمييزها.
أما حزب مبادرة، الناتج عن اندماج إرادة وتقدم، فيملك بدوره مجموعة من النواب وأصحاب الخبرة السياسية والبرلمانية، والاندماج بحد ذاته يعكس محاولة لبناء كتلة حزبية أكبر وأكثر قدرة على الاستمرار. لكن الاختبار الحقيقي ليس في نجاح الاندماج التنظيمي، وإنما في قدرة الحزب الجديد على جعل المواطن يعرف ماذا يمثل «مبادرة»، وما الذي يختلف فيه عن بقية الأحزاب.
وينطبق الأمر بدرجات مختلفة على حزب عزم، الذي يمتلك حضوراً نيابياً وشخصيات معروفة، لكنه يواجه السؤال ذاته: هل يعرف المواطن النائب بوصفه «نائب عزم»، أم يعرفه باسمه وشخصه ودائرته الانتخابية أولاً؟
هذه الأسئلة ليست تقليلاً من هذه الأحزاب، بل هي جوهر المرحلة المقبلة من مشروع التحديث السياسي.
هل هي أحزاب موالاة أم معارضة؟
ومن المهم هنا عدم الوقوع في التصنيف التقليدي المبسط بين «موالاة» و«معارضة».
نقدي ومعارض في العديد من الملفات، ولذلك يسهل على المواطن تحديد موقعها السياسي.
أما الميثاق ومبادرة وعزم وغيرها من القوى الوسطية، فهي أقرب في خطابها العام إلى العمل من داخل الإطار السياسي للدولة ودعم مساراتها الأساسية، مع ممارسة النقد أو الاختلاف مع الحكومة في ملفات وقرارات محددة.
وهذا ليس عيباً في ذاته؛ فالديمقراطيات لا تقوم فقط على أحزاب معارضة، كما أن دعم الدولة لا يعني بالضرورة تأييد كل حكومة أو كل قرار.
لكن المشكلة تظهر عندما لا يستطيع المواطن التمييز بين مواقف هذه الأحزاب.
ما موقف كل حزب من الضرائب؟
ما رؤيته للبطالة؟
كيف يريد معالجة المديونية؟
ماذا يقول عن الاستثمار والتعليم والصحة والإدارة العامة؟
وأين يختلف الميثاق عن مبادرة؟ وأين يختلف عزم عنهما؟
إذا لم تكن الإجابات واضحة لدى الجمهور، فإن الحزب يبقى موجوداً في البرلمان والسجلات والهيئات التنظيمية، لكنه لم يتحول بعد إلى علامة سياسية واضحة في ذهن المواطن.
النائب الخدمي أم النائب الحزبي؟
وهنا تظهر معضلة أخرى أمام التجربة الجديدة.
لسنوات طويلة اعتاد الناخب الأردني التعامل مع النائب بوصفه ممثلاً لمنطقة أو عشيرة أو دائرة انتخابية، ومتابعاً للخدمات والتعيينات والمطالب المحلية.
أما الحياة الحزبية التي يستهدفها التحديث السياسي فتفترض الانتقال تدريجياً إلى نموذج مختلف: نائب يحمل برنامجاً حزبياً، ويصوت بناء عليه، ويدافع عنه، ويحاسبه الحزب ويحاسب الناخب الحزب على أدائه.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للأحزاب ليس عدد المقاعد التي حصلت عليها، وإنما قدرتها على جعل نوابها يتصرفون ويظهرون أمام الناس باعتبارهم فريقاً سياسياً يحمل رؤية مشتركة.
عندها فقط سيبدأ المواطن بالقول: هذا موقف الميثاق، وهذا موقف مبادرة، وهذا موقف عزم، وهذا موقف الأمة، بدلاً من اختزال المشهد بأسماء النواب منفردين.
ما بعد الانتخابات النيابية... الاختبار الأصعب للأحزاب
تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والمحلية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات البلدية واللامركزية، إلى جانب الانتخابات الطلابية والنقابية وغيرها من المساحات التي تقاس فيها قوة الأحزاب الحقيقية.
فإذا نجحت الحركة الإسلامية في تحويل حضورها النيابي المتصاعد إلى قاعدة شعبية أوسع، فإن المنافسة المقبلة لن تقتصر على مقاعد مجلس النواب، وإنما قد تمتد بصورة أكبر إلى البلديات والجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: هل نحن أمام تقدم انتخابي جديد للحركة الإسلامية يتجاوز البرلمان إلى مختلف ساحات العمل العام؟
المؤشرات السياسية تستحق التوقف عندها. فالحركة لا تبدأ من الصفر، ولا تحتاج إلى الوقت نفسه الذي تحتاجه الأحزاب الجديدة لبناء تنظيماتها. هي تمتلك تاريخاً تنظيمياً، وكوادر مدربة، وتجربة انتخابية متراكمة، وحضوراً في المجتمع، وشخصيات باتت معروفة لدى الجمهور، إضافة إلى قدرتها على تحويل مواقف نوابها تحت القبة إلى رسائل سياسية تصل بسرعة إلى الشارع.
والأهم أن الحركة استطاعت خلال الفترة الأخيرة، وتحديداً أثناء مناقشة عدد من القوانين في الدورة الاستثنائية، أن تقدم نفسها أمام قطاع من الجمهور باعتبارها أقرب إلى هموم المواطن وأكثر استعداداً للاعتراض والتصدي للقضايا التي ترى أنها تمس مصالحه. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضمون هذه المواقف، فإن الصورة السياسية التي يجري ترسيخها لا تقل أهمية عن الموقف نفسه.
وهذه الصورة قد تتحول في صناديق الاقتراع إلى رصيد انتخابي.
فالمواطن الذي يشاهد اليوم نائباً إسلامياً يتبنى قضية تمسه، ويستمع إلى مداخلته، ثم يشاهدها مجدداً على هاتفه عبر منصات التواصل، قد لا يتعامل معها باعتبارها موقفاً لنائب منفرد، وإنما باعتبارها موقفاً لتيار سياسي كامل. وهنا تتراكم المواقف الصغيرة لتصنع مع الوقت انطباعاً سياسياً عاماً يمكن استثماره انتخابياً.
في المقابل، تواجه الأحزاب الأخرى تحدياً مختلفاً. فالميثاق ومبادرة وعزم وغيرها تمتلك نواباً وشخصيات سياسية معروفة، وبعضها يتمتع بخبرة طويلة وحضور نيابي واضح، لكن السؤال ليس عن قوة الأشخاص وحدهم، وإنما عن قدرة هذه الأحزاب على تحويل حضور أعضائها إلى رصيد حزبي يمكن نقله من انتخابات إلى أخرى ومن ساحة إلى أخرى.
فالانتخابات البلدية لا تشبه الانتخابات النيابية تماماً، والجامعات لها جمهور مختلف، والنقابات لها طبيعتها، والعمل المحلي يحتاج إلى شبكات اجتماعية وتنظيمية ممتدة. وهنا تحديداً تظهر أهمية التنظيم المتراكم الذي تمتلكه الحركة الإسلامية مقارنة بأحزاب ما تزال في طور بناء قواعدها وهويتها وعلاقتها اليومية بالمواطن.
وإذا دخلت الأحزاب الجديدة هذه الاستحقاقات وهي تعتمد أساساً على أسماء المرشحين وعلاقاتهم الاجتماعية والعشائرية والشخصية، بينما تدخل الحركة الإسلامية بتنظيم وهوية سياسية وخطاب موحد وقدرة على الحشد، فقد تصبح المنافسة غير متكافئة تنظيمياً حتى قبل فتح صناديق الاقتراع.
الخطر بالنسبة إلى الأحزاب الأخرى ليس أن يفوز الإسلاميون بمقعد هنا أو بلدية هناك، وإنما أن تتحول سلسلة من النجاحات المتفرقة إلى موجة سياسية: حضور قوي في البرلمان، يليه تقدم في البلديات، ثم توسع في الجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني. وعندها لن نكون أمام نجاح انتخابي عابر، وإنما أمام إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى الحزبية في الشارع الأردني.
فالجامعة تصنع قيادات الغد، والنقابة تمنح الحزب امتداداً مهنياً واجتماعياً، والبلدية تمنحه اتصالاً يومياً بالمواطن والخدمات والمجتمع المحلي، والبرلمان يمنحه المنصة السياسية والإعلامية الوطنية. وإذا اجتمعت هذه المساحات لدى تنظيم سياسي واحد، فإن تأثيره يصبح أكبر بكثير من عدد مقاعده في مجلس النواب.
ومن هنا فإن الاستحقاقات المقبلة ينبغي ألا تُقرأ كل واحدة منها بصورة منفصلة. انتخابات البلديات والجامعات والنقابات ليست ملفات انتخابية صغيرة إلى جانب الانتخابات النيابية، وإنما يمكن أن تصبح حلقات في سلسلة واحدة تحدد من يملك الشارع سياسياً خلال السنوات المقبلة.
وهنا يبرز السؤال حول مدى استعداد بقية الأحزاب لخوض هذه المنافسة: هل استطاعت خلال الفترة الماضية بناء تنظيمات فعلية وقواعد اجتماعية وكوادر سياسية؟ وهل أصبحت موجودة في المحافظات والأحياء والجامعات والنقابات؟ وهل يعرف المواطن ماذا تريد وماذا تقدم؟ أم أن جزءاً منها ما يزال يعتمد على الشخصيات والأسماء والعلاقات أكثر من اعتماده على العمل الحزبي المؤسسي؟
لذلك قد تشكل الانتخابات المقبلة الاختبار الأكثر جدية للأحزاب الجديدة؛ لأنها ستكشف الفرق بين حزب يمتلك نواباً، وحزب يمتلك ناخبين، وحزب يمتلك تنظيماً قادراً على تحويل التعاطف الشعبي إلى أصوات في الصندوق.
وإذا استمرت الفجوة الحالية في الحضور والتنظيم والخطاب، ولم تستطع الأحزاب الأخرى بناء هوية أكثر وضوحاً والاقتراب بصورة أكبر من قضايا الناس، فإن السؤال بعد الانتخابات المقبلة قد لا يكون: هل تقدم الإسلاميون؟ بل: إلى أي مدى تقدموا، وكم مساحة سياسية واجتماعية استطاعوا إضافتها إلى حضورهم النيابي؟
وهنا تكمن الرسالة الأهم: الوقت المتاح أمام بقية الأحزاب ليس مفتوحاً. فالحركة الإسلامية لا تنتظر الآخرين حتى يستكملوا بناء تنظيماتهم، وإنما تعمل داخل البرلمان وخارجه، وكل موقف تكسب من خلاله تعاطفاً شعبياً اليوم يمكن أن يتحول إلى صوت انتخابي غداً.
ولهذا فإن احتمال تحقيق الإسلاميين تقدماً واسعاً في الاستحقاقات المقبلة لا ينبغي التعامل معه كمفاجأة إذا حدث، بل كنتيجة محتملة لفارق واضح بين تنظيم راكم خبرته وحضوره لعقود، وأحزاب ما تزال تحاول تحويل وجودها القانوني والبرلماني إلى وجود حقيقي في الشارع.
اختبار مشروع التحديث السياسي
النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها هي أن التجربة الحالية تمثل اختباراً عملياً لمخرجات مشروع التحديث السياسي. فالهدف من تحديث الحياة السياسية لم يكن زيادة عدد الأحزاب أو تغيير شكل الانتخابات فقط، وإنما الوصول إلى حياة حزبية حقيقية تنتج برامج وقيادات سياسية وتخلق حالة تنافسية داخل المجتمع والبرلمان.
وإذا كانت قوة سياسية واحدة أكثر قدرة من غيرها على استثمار هذه المساحة، فإن السؤال ينبغي ألا يكون: لماذا نجحت هذه القوة؟ بل: لماذا لم تنجح القوى الأخرى بالمستوى نفسه؟
كما أن مواجهة النفوذ السياسي لأي حزب لا تتم عبر إضعافه أو تقييد حضوره، وإنما عبر بناء منافسين سياسيين أكثر كفاءة وقدرة على مخاطبة المجتمع.
والمطلوب من الأحزاب الأخرى ليس أن تتحول إلى نسخة من الحركة الإسلامية أو أن تتبنى خطابها، بل أن تتعلم من تجربتها التنظيمية: بناء الكادر، إنتاج القيادات، النزول إلى المجتمع، الاستثمار في الشباب، صناعة خطاب سياسي واضح، وتحويل العضو من رقم في سجل الحزب إلى حامل لفكرته وبرنامجه.
الخلاصة
المشهد النيابي الحالي يقدم درساً واضحاً: المقعد البرلماني وحده لا يصنع سياسياً، والحزب لا تصنعه الأسماء والهياكل والمؤتمرات، والجمهور لا يمكن استقطابه بالخطاب الرسمي وحده.
القوة السياسية تُبنى بالتراكم؛ بالتنظيم، والثقافة، والحضور في المجتمع، وإعداد الكوادر، والقدرة على قراءة المزاج العام والتعبير عنه.
وقد استطاعت الحركة الإسلامية، حتى الآن، أن توظف وجودها في مجلس النواب لتعزيز حضورها السياسي والشعبي والإعلامي، بينما حققت أحزاب أخرى حضوراً مهماً داخل البرلمان، لكنها ما تزال أمام مهمة أصعب: تحويل حضور نوابها إلى حضور للحزب نفسه في وعي المواطن.
فالمواطن قد يعرف عشرات النواب، لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق الأحزاب هو: كم واحداً منهم يعرفه المواطن باعتباره نائباً عن حزب، وكم حزباً يستطيع المواطن أن يحدد موقفه وبرنامجه والفارق بينه وبين غيره؟
وهذا الواقع يضع الأحزاب والدولة ومؤسسات التحديث السياسي أمام سؤال يستحق الدراسة قبل الاستحقاقات المقبلة:
هل أنتجت مرحلة التحديث السياسي أحزاباً قادرة فعلاً على المنافسة في الشارع، أم أنها وفرت مساحة سياسية كان التنظيم الأكثر جاهزية هو الأقدر على استثمارها؟
وربما يكون السؤال الأكثر حساسية:
هل نحن أمام حياة حزبية بدأت تتجذر فعلاً، أم أمام مجلس حزبي في تركيبته الانتخابية، لكنه ما يزال فردياً في حضوره أمام المواطن؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أهم من تقييم أداء مجلس النواب نفسه، لأنها تتعلق بشكل الحياة السياسية الأردنية خلال السنوات المقبلة.



