تخطَّ إلى المحتوى
خاص لإيلاف

محتوى أصلي متاح حصرياً عبر مركز إيلاف للدراسات

مقال

الصحراء المغربية.. مستقبل الملف في عالم أكثر براغماتية

يتناول المقال التحولات السياسية والجيوسياسية المحيطة بملف الصحراء المغربية، ودور القرار 2797 ومقترح الحكم الذاتي في إعادة تشكيل مسار التسوية، مع تحليل مواقف المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا وتأثير المصالح الدولية المتزايدة في المنطقة.

١٤ ايلول ٢٠٢٦
٦ دقائق قراءة
تحديث ١٤ ايلول ٢٠٢٦
العلاقات الدوليةالسياسة
صورة الغلاف لـ الصحراء المغربية.. مستقبل الملف في عالم أكثر براغماتية

مادة خاصة من إيلاف

هذا المحتوى متاح حصرياً عبر مركز إيلاف للدراسات.

100%

الصحراء المغربية.. مستقبل الملف في عالم أكثر براغماتية

كتبت د. آمال جبور - في أكتوبر المقبل، يعود ملف الصحراء المغربية إلى نيويورك في محطة أراها مهمة، لأنها ستكون أول محطة أممية كبرى بعد صدور القرار 2797 في أكتوبر الماضي. ومن خلالها، سنعرف بشكل أوضح ما إذا كان هذا القرار قد فتح فعلاً مرحلة جديدة في الملف، من خلال ما سيحمله تقرير الأمين العام وإحاطة المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا، إضافة إلى مناقشة مجلس الأمن مستقبل بعثة المينورسو وولايتها التي تنتهي في 31 أكتوبر 2026. لذلك، لا أرى أكتوبر مجرد موعد أممي كالمواعيد السابقة، بل محطة يمكن أن تعطينا فكرة أوضح عن الاتجاه الذي بدأ يأخذه الملف، وما إذا كنا أمام بداية مسار مختلف عن السنوات الماضية.

ولفهم أهمية أكتوبر وما يمكن أن يحدث بعده، علينا أن نتذكر باختصار كيف وصل ملف الصحراء إلى ما هو عليه اليوم. فمنذ إدراج الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي عام 1963، بدأت مرحلة النزاع الحالية بعد انسحاب إسبانيا عام 1975 واندلاع الحرب بين المغرب والبوليساريو، قبل توقف القتال عام 1991 برعاية الأمم المتحدة. وفي عام 2007 طرح المغرب مقترح الحكم الذاتي، بينما تمسكت البوليساريو بالاستقلال بدعم من الجزائر، وحافظت موريتانيا على حيادها. وبعد عقود من الجمود، تحاول الأمم المتحدة اليوم، عبر القرار 2797، دفع الملف نحو حل مقبول للأطراف. لكن الوصول إلى هذا الحل، يأتي اليوم في بيئة مختلفة كثيراً عن البيئة التي نشأ فيها النزاع.

فالعالم اليوم أصبح أكثر براغماتية، وأقل ارتباطاً باصطفافات الحرب الباردة وحساباتها الأيديولوجية، فيما أصبحت المصالح المرتبطة بالأمن والطاقة والهجرة والتجارة والممرات البحرية أكثر حضوراً، إلى جانب التنافس الدولي على إفريقيا. وهذا يعني أن مستقبل الصحراء لن يتحدد فقط بمواقف أطراف النزاع، بل سيتأثر أيضاً بمصالح القوى الكبرى والتحولات الجديدة التي تشهدها المنطقة.

لذلك، عندما صدر القرار 2797 في أكتوبر الماضي، شكل تحولاً سياسياً لافتاً. صحيح ان القرار لم ينهِ النزاع، لكنه جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات حول مستقبل الملف. وهذا منعطف مهم، لأنه يعكس تغيراً في طريقة التعامل مع القضية، اي من إدارة النزاع إلى البحث عن حل عملي وتوافقي، بعيداً عن الصيغ التقليدية التي عطلت الوصول إلى تسوية طوال السنوات السابقة، وعلى ان يكون الحكم الذاتي المغربي أساساً لها.

الملفت، ان بعد القرار، بدأت تظهر ملامح هذا التغيير من خلال اجتماعات عقدت في مدريد وواشنطن وفلوريدا، جمعت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا برعاية أميركية وأممية، و بتقديري فإن أهمية هذه الاجتماعات، أنها أعادت الأطراف كما حددها القرار إلى طاولة الحوار بعد سنوات من الجمود، وفتحت الباب أمام طرح مغربي أكثر تفصيلاً للحكم الذاتي. لكن ما جرى بقي بعيداً عن الاعلام، ولم تصدر عنها مواقف واضحة تكشف ما إذا كانت الأطراف قد غيرت مواقفها أو اقتربت من بعضها، ولذلك سيبقى السؤال المطروح حتى أكتوبر: هل نجحت هذه اللقاءات في تقريب المواقف وتهيئة أرضية وتسوية للحل، أم أن الخلافات الأساسية ما زالت قائمة؟

لكن بالمقابل، فالوصول إلى تسوية لن يكون سهلاً، لأنه يتطلب من الأطراف التعامل مع واقع تغير كثيراً. وهنا تبرز الجزائر بشكل خاص، ليس لانها مؤثرة في موقف البوليساريو، بل لانها تتحرك اليوم في بيئة دولية واقليمية مختلفة تماما عن المرحلة التي بدأ بها النزاع، حيث تزايد دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للمقترح المغربي، وتحول مواقف في إفريقيا وأمريكا اللاتينية نحو مسار الحكم الذاتي، من دون أن تبدو الصين وروسيا معرقلتين لهذا المسار. وفي الوقت نفسه، وسّع المغرب شراكاته الاقتصادية مع هذه القوى واقترب اكثر من دول الاتحاد الإفريقي ودول الساحل أيضا بمبادرات ومشاريع كبرى، لذلك، أعتقد أن التحدي أمام الجزائر هو كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد، من دون خسارة مصالحها أو الدخول في مواجهة مع مسار دولي وإقليمي يتجه نحو حل أكثر واقعية لهذا الملف.

أما البوليساريو، فوضعها اليوم أيضاً مختلف عما كان عليه سابقاً. فالدعم الذي كانت تراهن عليه في إفريقيا وأميركا اللاتينية تراجع، كما تغيرت النظرة الدولية إلى الحركات الانفصالية. ومع ذلك، يبدو أن الجبهة بدأت تدرك هذا التغيير، وهو ما يظهر في لغتها الأخيرة. ففي أيار الماضي، أقر أحد قيادييها بالمشاركة في مشاورات حول الحكم الذاتي في إطار القرار 2797. وهذا لا يعني بالضرورة أنها تخلت عن موقفها، لكنه يشير إلى أنها بدأت، إلى حد ما، تدرك أن عليها التعامل مع مسار سياسي جديد قد يفرض نفسه عليها في المرحلة المقبلة.

وفي الحالة الموريتانية، أعتقد أن موقفها قد يكون أكثر انفتاحاً على مسار التسوية في المرحلة المقبلة، من دون أن يعني ذلك تخليها عن حيادها. فهي تحتاج أكثر إلى الاستقرار بسبب ما يجري في محيطها وحدودها، كما أن مصالحها الاقتصادية مع المغرب تتوسع في الفترة الأخيرة. وربما يفسر ذلك رفضها مطالب البوليساريو قبل أيام بزيادة حضورها في نواكشوط، من خلال الحصول على تمثيل دبلوماسي ومركز ثقافي تابع للجبهة.

لذلك، إذا حمل أكتوبر مؤشرات جدية على تقدم في مسار التسوية، فقد تجد موريتانيا نفسها أمام فرصة للابتعاد تدريجياً عن المنطقة الرمادية التي حافظت عليها طوال السنوات الماضية، والاقتراب أكثر من المبادرة المغربية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي الكامل عن سياسة التوازن.

لكن فتح قنوات التفاهم بين أطراف النزاع لا يعني أن الطريق إلى التسوية أصبح سهلاً. فحتى إذا جرى التوافق على إطار سياسي عام على أساس الحكم الذاتي، ستبقى أمام الأطراف قضايا وتفاصيل كثيرة تحتاج إلى تفاهم، خصوصاً ما يتعلق بكيفية تطبيق هذا الإطار على أرض الواقع. وقد تكون هذه التفاصيل هي الاختبار الحقيقي لقدرة هذا المسار على الانتقال إلى حل قابل للتطبيق يتماشى مع التحولات الكبيرة ومصالح مشتركة لجميع الأطراف.

ولا يمكن، في رأيي، فهم مستقبل الصحراء بعيداً عن التحولات التي يشهدها العالم اليوم، حيث أصبحت الدول أكثر اهتماماً بالأمن والطاقة والتجارة والممرات البحرية. ومن هنا تتزايد أهمية الصحراء، ليس فقط بسبب موقعها على الأطلسي وقربها من غرب إفريقيا، بل أيضاً لما تشهده من مشاريع كبرى، مثل ميناء الداخلة وأنبوب الغاز المغربي-النيجيري، والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية وكأس العالم 2030. وهذا قد يحولها تدريجياً من منطقة مرتبطة بالنزاع إلى منطقة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي أكبر.

وهذا يساعد أيضاً على فهم تغير مواقف عدد من الدول الإفريقية وأميركا اللاتينية، التي أصبحت تنظر إلى المغرب من زاوية أوسع من قضية الصحراء، باعتباره شريكاً اقتصادياً وأمنياً وبوابة إلى أوروبا وإفريقيا. ومع اتساع هذه المصالح، بدأت حسابات هذه الدول تجاه الملف تتغير تدريجياً.

ومن هنا، أعتقد أن أهمية الصحراء اليوم تتجاوز حدود النزاع نفسه. فموقعها على الأطلسي يجعلها جزءاً من حسابات أكبر تتعلق بالوصول إلى إفريقيا وتأمين طرق التجارة والمصالح الدولية، خصوصاً بعد الأزمات الدولية التي أعادت أهمية الجغرافيا والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. لذلك، أصبح استقرارها مهماً لأطراف تتجاوز دول النزاع.

إشارات
الصحراء المغربيةالحكم الذاتيالقرار 2797جبهة البوليساريوالجزائرموريتانيابعثة المينورسو
المكتبة

قد يعجبك أيضاً

الأردن؟
١
السياسة
٢٠٢٦

الأردن؟

يستعرض المقال الصيغة التي ورّثها الملك الحسين بن طلال لحكم الأردن، وهي أن يكون الأردن حاضراً في كل مكان وغائباً عن كل خلاف عربي. ويشير إلى أن الملك الحسين تعرض خلال حكمه لأسوأ ما يمكن أن يواجهه مسؤول، وأظهر صلابة لافتة في التحمل والاحتمال. وحين تولى الملك عبد الله الثاني الحكم كانت قد اكتملت أمامه مدرسة ملكية في شؤون الحكم. ويؤكد الكاتب أن الأردن ليس دولة عادية، فهو في آن واحد المسألة الأردنية والمسألة الفلسطينية، وهو حساسيات النهر وجار القدس وحامل مفاتيحها، وأن الملك عبد الله الثاني أبحر وسط هذه السحب المتراكمة والأجواء المعتمة. ويرى أن الملك، بوصفه ضابطاً طياراً، لا يرى «مسألة» ولا…

سمير عطا الله
ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر
٢
القضية الفلسطينية
٢٠٢٦

ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر

يطرح المقال قراءة لتداعيات السابع من أكتوبر بعد مرور ثلاث سنوات، مؤكدا أن الحدث لا يمكن فصله عن التاريخ الطويل للمعاناة الفلسطينية، بدءا من وعد بلفور، مرورا بالاحتلال ومصادرة الأراضي وتعثر الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويرى أن تراكم الغضب الفلسطيني، وفشل التسوية السياسية، وتوسع الاستيطان، وغياب الإرادة السياسية الإسرائيلية والدولية، شكلت سياقا أساسيا للانفجار، الذي كشف بدوره حدود اعتماد إسرائيل على التفوق العسكري والقمع لتحقيق الأمن. لكنه يشدد على أن الصدمة الأمنية لم تتحول بالضرورة إلى مكاسب سياسية للفلسطينيين، بينما استخدمت إسرائيل الحرب لتبرير تدمير واسع النطاق في…

منذر الحوارات
سيمائية المواجهة: خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا
٣
خاص لإيلاف
السياسة
٢٠٢٦

سيمائية المواجهة: خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا

يحلل المقال خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة من منظور تحليل الخطاب النقدي، مركزا على قوة بنائه اللغوي وبلاغته السياسية ونبرة الحسم التي اتسم بها. ويرى أن الخطاب تجاوز أسلوب المناشدة التقليدي إلى مساءلة المنظومة الدولية بشأن ازدواجية المعايير، مستندا إلى مفردات واضحة مثل المطالبة بعقوبات دولية ورفض التهجير القسري للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. ويبرز المقال دور نبرة القطع والالتزام في العبارة التي تؤكد أن القوة العسكرية لا يمكن أن تبني السلام، باعتبارها تعبيرا عن ترسيم خطوط الأمن القومي الأردنية. كما يربط الخطاب بمواثيق القانون الدولي من خلال التناص، ويعتبر ذلك وسيلة لمساءلة…

خضر توفيق خضر

مساحة للكتّاب

لديك مقال يضيف إلى النقاش؟

نرحّب بالمساهمات النصية الجديدة ونراجعها بعناية للنشر عبر إيلاف.

أرسل مقالك