عقدة العلاقات العراقية ـ السعودية
لم تكشف هجمات الفصائل المسلحة العراقية تجاه المملكة العربية السعودية خلال حرب الأربعين يوما او اعتداءات المسيرات في يوليو الماضي ، عن مستوى تورط هذه الجهات بتنفيذ اجندات خارجية ، بقدر ما انها كانت كاشفة للعقدة التي تسببت بتعطيل العلاقات بين بغداد والرياض ما بعد العام 2003 ، فهذه الاطراف المسلحة ومن خلفهم بيئة سياسية ، تبادلوا الأدوار في التأسيس لارادة تمنع العراق من العودة لمحيطه العربي أولاً وكبح اي محاولة للحكومات من ان تكون العلاقة مع السعودية في مستواها الصحيح ؛ محاولين تثبيت مبدأ " احادية " العلاقة ، وتحويل العراق لدولة تابعة ، بخلاف التوجهات الرسمية والشعبية التي كانت تنظر للمملكة على انها العمق العربي والاستراتيجي.
هذه العقدة المعطلة للعلاقات ادركتها حكومتي حيدر العبادي ( 2014_2018) وحكومة مصطفى الكاظمي ( 2020_2022 ) ، واستطاعت ان تقدما زخما لمسار العلاقات وكان البلدين امام تحول كبير ، خصوصا ما بعد تشكيل الاطار الاستراتيجي للعلاقة والمتمثل بالمجلس التنسيقي السعودي ـ العراقي ( 2017 ) ، الذي انتج العديد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم لبناء الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن والسياسة والمنافذ الحدودية والتعليم والثقافة ، الا ان تأثيرات قوى السلاح واللادولة على المشهد ما بعد تلك الحكومتين ، ادت الى تقييد طريق التواصل بين بغداد والرياض ، حتى وصل الامر ان حولت تلك الجهات الجغرافية العراقية الى منصة لاستهداف الامن القومي السعودي خلال الحرب الامريكية ـ الايرانية ، امام عجز حكومة محمد السوداني في منع هذه الاعتداءات ووقف تهديدات الفصائل المسلحة للسعودية .
يدرك علي الزيدي رئيس الوزراء الحالي ، هذه العقدة التي تقف مانعا امام تطور العلاقة بين الدولتين ، فضلا عن ادراكه لاهمية المملكة على المستوى الخليجي والعربي والإقليمي والدولي ، ونجاح دبلوماسيتها خلال الحرب الاخيرة بتوظيف كل امكانياتها من اجل السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط ؛ وكذلك موقف ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان الداعم لتطوير العلاقات بكل الوسائل ودعمه لمبدأ ضبط النفس تجاه الاعتداءات على السعودية من قبل الفصائل في محاولة لتحييد هذه الجماعات عن الموقف الرسمي العراقي ، الامر الذي دفع " الزيدي " الى الاعلان بأن جولته الخارجية ستشمل الرياض ، لأجل السعى إلى إقامة شراكة اقتصادية متينه ، في خطوة يمكن تفسيرها على ان صانع القرار الجديد في بغداد ، يعي اهمية الرسالة الرسمية وبان هذه الكيانات لا يمكن ان تمثل رأي الدولة تجاه الدول الفاعلة.
وعلى الأرجح شكل اعلان رئيس الوزراء علي الزيدي ، بعد منح حكومته الثقة عن دبلوماسية خارجية لتقليص آثار الحرب على العراق ، "خطوة أولى " لتفكيك العقدة بين العراق والرياض ، من خلال طرحه رؤيته بالعلاقات الخارجية التي تؤكد على "تعزيز علاقاته العربية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يحفظ مكانته ودوره التاريخي في المنطقة" ، ما دفع وزير الخارجية الى التركيز على "سعيه لترميم العلاقات مع دول الخليج " ، لكون العلاقة بين بغداد ودول مجلس التعاون ضحية للحرب التي تفجرت في 28 فبراير الماضي بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى ؛ لذا وجدت الحكومة العراقية بموقف الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس الوزراء السعودي ، بتهنئة علي الزيدي بمناسبة تكليفه رئيساً لمجلس وزراء ، وتطلعه " للعمل على توطيد أواصر العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين، وتعزيزها في المجالات كافة ، وتمنياته لشعب جمهورية العراق الشقيق مزيداً من التقدم والرقي" ، موقفا يمثل حرصا على استدامة العلاقة مع العراق بمعزل عن عدوان الجماعات المسلحة ، وأثبت لصانع القرار في بغداد ، قدرة المملكة على فرز العراق الرسمي عن افعال المليشيات ، بهدف البدء بكل ما يمكن ان يضع العلاقة في طريقها الصحيح ، وخصوصا ما بعد محاولات الجماعات المسلحة بهدف افشال زيارة " الزيدي " الى الرياض ، بالهجوم بالطائرات المسيرة.
ان النظر الى هذه " العقدة " في جناحها السياسي والعسكري ، لا يمكن فصله عن الأجندات الاقليمية الراغبة ببقاء العراق ضعيفا دون هوية مستقلة في السياسة الخارجية ، ومحاولة هذه الأجندة احتكاره سياسيا واقتصاديا وأمنيا ، على حساب المصالح العليا وخلافا حتى للرأي العام ، فجعل العراق مجالا حيويا او ورقة تفاوضية يعد هدفا استراتيجيا لهذه الأجندة التي تُنفذ من خلال الحلفاء في الداخل بشكل مباشر او غير مباشر ، ولم يقتصر عمل هذه الأجندات على ذلك فحسب بل تجاوز ، لكونها اصبحت جزء من بنية القرار ، الى حد ملاحقة كل الجهات والشخصيات الداعمة لعلاقة يسودها التعاون والتكامل بين العراق والسعودية .
تكافح بغداد من اجل تحييد هذه العقدة التي تحاول فرض قيود على توجهات حكومة الزيدي الساعيه لاعادة تعريف العلاقة مع المملكة العربية السعودية ، ورغم محاولات التعبئة من عدد من الجهات ما بعد الرد الامريكي ـ السعودي ، الا ان الكشف الرسمي عن عدم إلغاء زيارة " الزيدي " والترتيب لها بشكل أمثل ، وكذلك زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودية ، وتاليا زيارة وفد امني للرياض بهدف التنسيق والتعاون الامني والاستخباراتي لسد الثغرات امام اي محاولة يمكن ان تقوم بها الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون ، ووفد برئاسة وزير النفط والمالية العراقي الذي اكد وببيان رسمي بتاريخ 22 اغسطس 2026 بان " العراق يحرص على تعزيز العلاقات والتعاون المشترك في شتى المجالات مع محيطه الإقليمي، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية ، وتناولت آفاق التعاون المشترك بين البلدين في مجالات الغاز والطاقة والكهرباء" ، مما يمكن عد ما تقدم مؤشرات على ان العاصمتين تتفهمان محاولات الإضرار بمسار العلاقة ، التي أظهرت ثباتا متبادلا ورغبة بالعمل المشترك ، وفقا للمصالح ولذلك الإرث الإيجابي بين الدولتين.
مع هذه الرغبة المتبادلة من الدولتين ولما تمثله من فرصة ثمينة للعراق ، فأن بغداد تحتاج إلى استعادة ثقة دول الخليج العربي من خلال بوابة الرياض ، مع الاخذ بنظر الاعتبار بان على بغداد تبني رؤية وفلسفة جديدة لعلاقاتها تفرضها داخليا بعيدا عن اي تاثير للجماعات المعرقلة لسياساته الخارجية ، خصوصا وان الحكومات السابقة لم تُحقق تقدماً ملموساً في تنامي هذا المسار ، ولا يتم ذلك الا بتقليص تأثير النفوذ الإقليمي الايراني ، ومعالجة ملف الفصائل المسلحة باحتكار الدولة لاستخدام القوة ، ومنع توظيف الارض العراقية بكل ما يهدد الامن القومي السعودي او الخليجي والعربي ، فالعراق لا يستطيع أن يكون جزءاً مستقراً من منظومة أمن المنطقة بينما يحتفظ داخله بسلاح موازٍ للدولة ؛ واتخاذ خطوات لبناء الثقة بمعالجة ملف الهجمات التي تتهم بعض الدول الخليجية فصائل عراقية بالوقوف وراءها ، وبما يمهد التعاون الأمني والانخراط العراقي بالأمن الإقليمي الذي تسعى المملكة الى ترسيخه ، فانبثاق " اتفاقية مكة " التي ضمت السعودية وتركيا وباكستان ، يعد نقطة تحول في منطقة الشرق الاوسط والتي يجب على العراق دعمها لغرض الانخراط بشكل اكبر بترتيباتها كونها قوة ردع ضد اي تهديد في المنطقة وبما يحقق الاستقرار والتنمية ؛ فضلا عن تحقق أهداف بغداد والرياض بتوسيع الارتباط الاقتصادي عبر مشروعات وشراكات اقتصادية واستثمارية وتجارية أوسع .
في المحصلة، لا ترتبط عقدة العلاقات العراقية السعودية بوجود الفصائل المسلحة الحليفة لايران ونفوذ الاخيره فحسب، بل تتصل أيضاً بحسم التباين بالرؤى الداخلية حول مستقبل العراق ودوره في المنطقة ، فاستقرار العلاقة بين بغداد والرياض يتوقف على قدرة العراق على تقديم نفسه كدولة فاعلة تمتلك القدرة على فرض سياساتها الخارجية بعيدا عن الضغوط ؛ ومن هذا المنطلق، فإن بناء علاقة أكثر رسوخاً يحتاج إلى معالجة أسباب التوتر من جذورها ، وهي مسؤولية عراقية ، وفتح مساحات أوسع للحوار والتنسيق المشترك ، بما يحول العلاقة لمساحة للتقارب والتعاون العربي .



