زادت الغارات الإسرائيلية، التي استهدفت مطار "أبو الظهور" الواقع شرقي إدلب السورية، من منسوب التوتر بين تركيا وإسرائيل. ولم تمثل مجرد ضربة استباقية لموقع عسكري. فالمطار خارج عن الخدمة منذ عدة سنوات، لذلك لم تخلّف الغارات سوى دمار محدود في مدرجاته ومرافقه المهدّمة، ما يعني أن رسالة إسرائيل تتجاوز المطار نفسه، بحيث تعكس ارتفاع مستوى الاشتباك غير المباشر مع تركيا داخل الأراضي السورية، وذلك بعد أن بات التعاون العسكري التركي السوري، الهادف إلى إعادة بناء قدرات الجيش السوري الجديد، جزءاّ من معادلة أمنية جديدة تتداخل فيها حسابات الطرفين التركي والإسرائيلي ومصالحهما في سوريا.
إذاً، تكتسي الضربة أهمية تتجاوز طبيعة الهدف العسكري نفسه، لأن المطار يقع في ريف محافظة الشرقي، وعلى بعد حوالي 70 كيلومترا من الحدود التركية. وجاءت بعد ساعات من زيارة وفد عسكري تركي له، الأمر الذي يشي بأن استهدافه يحمل دلالات مختلفة، باعتباره يقع في منطقة أقرب إلى مناطق النفوذ التركي في شمال سوريا، فيما كانت معظم المواقع التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية العدوانية خلال الفترة الماضية تقع في جنوبها ووسطها. وارتبط اسم العديد من المواقع العسكرية السورية التي استهدفتها إسرائيل ببرامج إعادة التأهيل أو بالتعاون العسكري السوري التركي. وكان من بينها مطار "تي فور" في تدمر، ومطار "حماة" العسكري.
قد يكون من بين أهداف الضربة الإسرائيلية استدرج تركيا إلى مواجهة مباشرة، إلا هذا الاستدراج متهور، وشديد العدوانية، ومحفوف بمخاطر كبيرة على المنطقة، وعلى إسرائيل أيضاً، بالنظر إلى ما تمثله تركيا من قوة عسكرية كبيرة، وامتلاكها قدرات كثيرة، إضافة إلى كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويتمتع رئيسها رجب طيب أردوغان بعلاقات شخصية مميزة مع رئيس الويات المتحدة دونالد ترامب. ومع ذلك يمتلك هذا الطرح وجاهة في ظل سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي الحصول على ما قد يساهده في حملته الانتخابية، وذلك في ظل اقتراب الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، الأمر الذي يفسر استمراره في توجيه التحذيرات إلى تركيا.
أما الرد التركي فاتسم بشيء من الديبلوماسية، حيث أكدت الرئاسة التركية بأن أنقرة "لن تقع في الفخ" الذي ينصبه رئيس الوزراء الإسرائيلي في سوريا، ولديها "خبرة كافية" تحول دون وقوعها في "فخ شخصيات مثل نتنياهو"، هدفها "تقويض السلام والاستقرار" في المنطقة.
غير أن الرد التركي لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى إصدار وزارة الداخلية "نشرة حمراء" ضد نتنياهو لملاحقته دولياً، وذلك على خلفية اعتداءات إسرائيل على ناشطي اسطول الصمود العالمي. إضافة إلى تأكيدها استمرار التعاون والتنسيق مع الإدارى السورية على كافة المستويات.
لا يبدو احتمال المواجهة المباشرة بين إسرائيل وتركيا كبيراً في المدى المنظور، لكنها باتت احتمالاً أكثر حضوراً مع ارتفاع منسوب التوتر وزيادة التصعيد، وانتقال التنافس بين الطرفين من تبادل الرسائل السياسية إلى اختبار المواقع العسكرية على الساحة السورية.
لم تكن الضربة بمعزل عن نهج عدواني إسرائيلي، نهض على استهداف المنشآت والأصول العسكرية السورية. فمنذ سقوط نظام الأسد الساقط في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، قامت إسرائيل بشن أكثر من 480 غارة جوية، ضد القدرات الجوية والبحرية ومواقع عسكرية مختلفة، إضافة إلى قيام قواتها بنحو 900 توغل بري داخل الأراضي السورية. إضافة إلى سعيها توسيع نطاق الاحتلال، وإنشاء مناطق أمنية، وإقامة نقاط عسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بغية تحقيق هدفها المزعوم، والذي تعلنه على الدوام، ويتمثل في منع نشوء ما تدعيه تهديدات أمنية جديدة على حدودها.
تتماشى عمليات إسرائيل العسكرية ضد سوريا مع التوجه الذي تقوم به في مناطق الجنوب السوري، حيث تمنع أي تواجد عسكري سوري فيه، مقابل دعمها الكبير للمحاولات الانفصالية التي يقودها الزعم الروحي للموحدين الدروز حكمت الهجري ومسلحيه في محافظة السويداء.
تدخل هذه الساسة العدوانية حيال سوريا الجديدة في صلب الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، التي اتخذت فيها عملياتها العسكرية بعد عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أسلوباً جديداً، يقوم على منع تشكيل وقائع عسكرية جديدة، وضربها قبل اكتمالها، لا بعد تحولها مستقبلاً إلى أمر واقع.
بالمقابل، لا تملك دمشق خيارات كثيرة للخلاص من الغطرسة الإسرائيلية، إذ ليس أمامها سوى الاستمرار بالنهج السياسي البراغماتي الذي اتبعته منذ البداية، والاعتماد على الحاضنة العربية، والدول الصديقة، من أجل كبح العدوانية الإسرائيلية. لكن بنفس الوقت ليس من مصلحتها التخلي عن تعزيز علاقات التعاون مع الجار التركي في كافة المجالات، من أجل تعزيز قدراتها ونهوضها.
طرح وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني من إسلام أباد خيار الانضمام إلى "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الذي يجمع بين كل من تركيا والسعودية وباكستان، لكن طرحه يندرج في سياق الدراسة من دون اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن. وجاء بعد الضربة الإسرائيلية على مطار "أبو الظهور"، التي أعلنت تصاعد التنافس التركي الإسرائيلي حول شكل الترتيبات الأمنية في سوريا، ومحاولة إسرائيل إعادة تشكيلها وفق الرؤية الإسرائيلية، وإبقائها في حالة ضعف وفق ما تقتضية العقلية الأمنية لليمين الإسرائيلي المتطرف.
قد يكون هذ الطرح بمثابة محاولة للخلاص من الصراع الإسرائيلي التركي على سوريا، وممكنات توفير دعم دفاعي لها، بالنظر إلى ما قد يشكله من رسالة ردع، لكنه مستبعد في المدى القريب، ويمكن أن يقرأ كاصطفاف إقليمي، الأمر الذي سيدفع إلى مزيد من التصعيد.
الحاصل هو أن سوريا الجديدة تريد الإفلات من محاولة إسرائيل وضعها رهينة لتحقيق أهدافها وغاياتها، من أجل تعطيل مشاريع تعافيها وإعادة إعمارها، ومنعها من إعادة بناء دولة جديدة، ومع ذلك، لن تكف سوريا عن البحث عن مقاربات أخرى للتعامل مع العدوانية الإسرائيلية.



-800x500.webp)