هندسة الشراكة الإقليمية وتبعات المواجهة الاقتصادية بين طهران وواشنطن على العراق
حملت زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، الأخيرة إلى بغداد دلالات جيوسياسية واقتصادية بالغة الأهمية، حيث جاءت في ظرف إقليمي شديد الحساسية لتعكس محاولة طهران إعادة تنظيم أوراقها وتثبيت أطر التنسيق مع بغداد، مستغلة موقعها التشريعي والتنفيذي لصياغة معالم المرحلة المقبلة.
أولاً: أبعاد الزيارة ومحاور التصريحات
- المحور الأمني و"الأمن الذاتي الإقليمي": ركز قاليباف على مفاهيم "الأمن الذاتي من الداخل" وبناء نظام إقليمي جديد بعيداً عن التدخلات الأجنبية. كما شدد على الاتفاق الأمني المشترك، معتبراً أن "المقاومة في العراق هي إحدى أدوات القوة والاستقلال للنظام الإقليمي".
- خارطة الطريق الاقتصادية والتخلي عن الدولار: خلال لقائه بالفاعلين الاقتصاديين، دعا قاليباف بوضوح إلى إيجاد "خارطة طريق تجارية مستدامة" تعتمد تقليل أو إنهاء التعامل بالدولار الأمريكي بين البلدين واستبداله بالعملات المحلية أو عبر آليات المقاصة التجارية للتغلب على قيود التحويلات المباشرة.
- تلازم الأمن والاقتصاد: طرح رؤية مفادها أن الاستثمار والاقتصاد بحاجة إلى بيئة أمنية مستقرة، وفي المقابل لا يمكن حماية الأمن والاستقرار المستدام من دون تنمية ورخاء اقتصادي يعود بالنفع على الشعبين.
- أمن الملاحة والممر الجيوسياسي: شارحاً الرؤية الإيرانية للممر الممتد من إيران والعراق وصولاً إلى البحر المتوسط، مع التأكيد على مراعاة الترتيبات المتعلقة بحركة الصادرات النفطية والتجارة في خليج عمان ومضيق هرمز.
ثانياً: رؤية قاليباف للعلاقات الإيرانية العراقية
تستند رؤية قاليباف إلى حزمة من الترتيبات الشاملة التي تتجاوز مفهوم العلاقات الثنائية التقليدية: انطلاقا من اعتبار العراق الجسر الحيوي والعمود الفقري لمحور الربط البري الإيراني الممتد نحو الشام والمشرق. تبني استراتيجية لتحويل العراق من مجرد سوق استهلاكي للمنتجات الإيرانية إلى منصة اندماج اقتصادي عبر مشروعات الربط السككي والتكامل الصناعي. وفي المجال الأمني تبني طهران إلزام بغداد بتطبيق بروتوكولات حماية الحدود وتحييد أي نشاط للمعارضة الإيرانية أو القوات الأجنبية من الأراضي العراقية.
ثالثاً: موقف قاليباف من العقوبات الأمريكية والانعكاسات على بغداد
الرؤية الإيرانية للعقوبات: تنظر طهران إلى العقوبات الاقتصادية الأمريكية والحصار المالي بوصفهما "حرباً اقتصادية شاسعة"، وتعتبر أن تفكيك آثارها لن يتأتى إلا بإيجاد تحالفات إقليمية تتجاوز هيمنة الدولار على النظام المالي الغربي. الانعكاسات المباشرة على العراق والعلاقات الثنائية:
- إحراج النظام المالي العراقي: يواجه البنك المركزي العراقي صعوبات في الالتزام بمعايير امتثال منصة التحويلات الدولية (SWIFT) وضوابط الخزانة الأمريكية من جهة، ومطالبات إيران بالاستيفاء النقدي لديونها المتراكمة عن واردات الغاز والكهرباء من جهة أخرى.
- ضغوط التهريب والمقاصة: دفع الرقابة الأشد على الدولار الطرفين إلى البحث عن سيناريوهات مقاصة السلع (كالنفط مقابل الغاز) أو آليات الدفع بالدينار العراقي، وهو ما قد يتعرض بدوره للتدقيق والقيود الأمريكية.
- التعرض للضغوط المزدوجة: يضع ذلك صانع القرار في بغداد بين ضرورة الحفاظ على استقرار الطاقة والتجارة مع جاره الإيراني، وتفادي مخاطر العزل المالي أو فرض عقوبات على المؤسسات المصرفية العراقية.
رابعاً: الخلاصة وتقدير الموقف
تسعى طهران عبر هذه الزيارة إلى تثبيت معادلة "الربط غير القابل للفك" بين اقتصادها واقتصاد العراق لتخفيف حدة العزلة المادية عن أسواقها. إلا أن استمرارية هذه الرؤية تصطدم بالواقع الهيكلي للاقتصاد العراقي المعتمد بالكامل على الريع النفطي المسعر والمباع بالدولار؛ مما يفرض على بغداد الاستمرار في سياسة مسك العصا من المنتصف لتجنب الانزلاق إلى المواجهة مع واشنطن، دون التفريط بتفاهماتها الاستراتيجية والأمنية مع طهران.

-800x500.webp)

