سيمائية المواجهة : خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا
أبهرني كالعادة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمس في الأمم المتحدة؛ لا سيما من حيث متانة البناء اللغوي وسلاسة النطق ، وبلاغة الطرح السياسي التي تخللت مفاصل كلمته. والحق يا سادة, أننا أمام وثيقة سياسية صيغت بوعي نقدي متقدم، يتصدى علانية لمعضلة "ازدواجية المعايير الدولية" (Double standards). وإذا ما رغبنا في إسقاط مقاربة العالِم اللغوي نورمان فيركلوف ( (Norman Fairclough) ضمن سياق "تحليل الخطاب النقدي" (Critical Discourse Analysis - CDA)، فسيتضح لنا واضحا كيف تحولت هذه الخيارات اللغوية من مجرد أدوات تقريرية إلى أدوات حية تفكك الهيمنة وتتحدّاها (Challenging Hegemony). لقد تجاوز الخطاب، وبصورة واضحة وصريحة لا تقبل الشك ، عتبة استجداء المنظومة الدولية لينتقل بالكامل إلى مربع مساءلتها، مستنداً إلى مفردات بالغة الحسم كالمطالبة بـ "عقوبات دولية" (International sanctions) والرفض القاطع لـ "التهجير القسري" (Forced displacement) للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية . وبما أن التحول الجوهري يكمن أساساً في نبرة القطع والالتزام (Modality)، فقد تجسد ذلك بوضوح في المقولة الملكية الحازمة: "لا يمكن للقوة العسكرية أن تبني السلام"؛ وهي صياغة تنقل الدبلوماسية الأردنية من مرونتها التقليدية المعهودة نحو ترسيم قطعي لخطوط الأمن القومي الحمراء.
وبطبيعة الحال أن هذا التحول النصي لا يستمد شرعيته من فراغ، بل عبر "تناص" (Intertextuality) مكثف مع مواثيق القانون الدولي، في استراتيجية ذكية غايتها محاصرة المجتمع الدولي بذات الأدوات القانونية التي يتبناها إعلامياً. ومن خلال هذه الممارسة الخطابية الممنهجة، يعيد الملك صياغة هندسة "علاقات القوة" (Power relations)؛ فالأردن هنا لا يتحدث بمنطق الضعف أو المناشدة، بل يضع العواصم الكبرى أمام مقصلة "المساءلة الأخلاقية" (Moral accountability) إزاء صمتها. والحال هذه، فإن الطرح الملكي لم يقف عند حدود المرافعة السياسية العابرة، بل أصبح أداةً لتفكيك بنية الصمت الدولي (Deconstructs)، وصولاً إلى التأكيد الحازم على أن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو "حق شرعي أصيل وغير قابل للتصرف" (Indisputable right). وفي هذا المآل، تكتمل الأبعاد السيادية لهذا الخطاب ؛ إذ لم يعد الأمر مجرد ذودٍ و دفاع عن ثوابت تاريخية، بل إعادة تموضع استراتيجي للأردن كلاعب إقليمي صلب في المنطقة ، يرهن كل معادلاته بالحزم والسيادة المطلقة، خاصةً حين أعلنها صراحة وبلا مواربة: "إن أي تهديد لحدودنا ومياهنا هو تهديد لأمننا القومي".



