الشرق الأوسط عند مفترق طرق: صراعات الهوية، وتحولات النفوذ الإقليمي، ومستقبل النظام الاستراتيجي في المنطقة والعالم
يشهد الشرق الأوسط اليوم وضعا معقداً، لا ينفصل عن تاريخ الأزمات التي عصفت به، منذ ولادة الدولة الوطنية فيه، ولعلّ أكبر تلك الأزمات المستدامة هي الصراع العربي الإسرائيلي الذي يعد المسؤول الأول عن انفجار المشرق العربي، وولادة ما سمي طوفان الأقصى الذي أحدث اضطراباً كبيراً في البيئة الاستراتيجية، وما تلاه من حرب مفتوحة مدمّرة تشنّها إسرائيل اليوم في عدة جبهات، بدعم الراعي الأمريكي الذي يكرّر باستمرار تعهّده بالحفاظ على أمن إسرائيل.
وفي الأزمنة القريبة والبعيدة، ظلّت أزمات الشرق الأوسط عالقة بلا حلول جذرية، سواء في طبيعة العلاقة المعقدة بين الغرب وقوميات هذا الإقليم – من عرب وفرس وأكراد – أو في حجم التدخل الغربي الهادف إلى فرض الهيمنة، عبر تكريس ديمومة بعض الدول، أو تفكيكها حيناً، ودفعها إلى صراعات وأزمات مزمنة حيناً آخر.
لا يزال الشرق الأوسط يتصدّر توصيفات الخبراء بوصفه "المنطقة الأكثر سخونة سياسياً" في العالم، غير أن هذا الوصف، رغم دلالته، يظل قاصراً عن الإحاطة بعمق الأزمات المتجذّرة في الإقليم، والتي تتجاوز السخونة المؤقتة إلى اختلالات بنيوية ممتدة عبر التاريخ. فمن أزمة بناء الدولة الوطنية، نشأت أزمات الأقليات، وضعف القدرة على إدارة الشأن العام، وتفاقمت أزمات الشرعية السياسية والهوية الوطنية. وفي السياق ذاته، تَشكّلت أزمة الاحتلال والصراع العربي الإسرائيلي، ضمن علاقة مضطربة مع الغرب، وهي العلاقة التي أفرزت بدورها أشكالاً متعددة من المقاومة، استند كل منها إلى تبريرات وسياقات خاصة.
في دوائر الشرق الأوسط الحضارية – العرب، والأتراك، والفرس – تتجلى أزمة الجوار والنفوذ، حيث تتداخل الطموحات الإقليمية مع الرغبة في تعزيز الحضور والهيمنة. ومع التحولات الجيوسياسية الأخيرة، لم تَعُد إيران كما كانت قبل عام، ولا عادت تركيا تطارد حلمها الإمبراطوري في الفضاء العربي، في حين تراجع التمسك العربي بأجندة قومية موحّدة كما كان في عقود سابقة.
إذاً، تُواجه العلاقة بين الغرب والدوائر الحضارية الثلاث في الشرق الأوسط – العربية، والتركية، والفارسية – أزمات وتحديات متراكمة، في حين يبرز المشترك الكردي عنصراً بنيويّاً لا غنى عن بناء علاقة متوازنة ومحترِمة معه، تعكس مكانته وتطلعاته. وعلى الضفة الأخرى، تزداد أهمية العلاقة مع الشرق الأقصى، التي يرى فيها بعض الفاعلين الإقليميين مخرجاً محتملاً من الارتهان للزمن الغربي، رغم أن الفاعل الأمريكي لا يزال يحتفظ بدور مركزي لا يمكن تجاوزه في حلّ أزمات الإقليم والعالم.