الفيلسوف المهندس
نُشر في ٢٥ كانون الأول ٢٠٢٥ م
لطالما أعجبتني مقولة أحد المهندسين وهي بالمناسبه المهندسة المعمارية المميزه البريطانية الجنسية العراقية الأصل زها حديد رحمها الله والتي كان يطلق عليها البعض فيلسوف الفضاءات حيث تقول:
" هناك 360 درجه فلما نكتفي بواحده " واستذكر هنا مقولة الفيلسوف سبينوزا بأن الفلسفه تحتاج لانضباط الهندسه .
هذه المقولات تعكس عمق العلاقه المتينه بين الفلسفه والهندسة فكلاهما وجهين لعملة واحدة ،فالهندسه بما تعنيه من قدره على أبتكار الحلول الذكية للمشاكل المستعصية بأستخدام القياس والمنطق هي جزء أصيل من الفلسفه ومن رحمها ولدت والهندسة هي التمرين العقلي الذهني المنظم المفضل عند الفلاسفه ،فالذكاء الابتكاري الذي تعنيه الهندسه يتوافق وينمي ويثري حب المعرفه الذي تعنيه الفلسفه .فهندسه بدون فلسفه لا تخرج عن نطاق أن تكون علم تقني جامد مجرد وفلسفه بدون هندسه لا تغدو أن تكون مجرد أفكار حالمه تدور في نطاق الميتافيزيقا . ونظرا لهذا الارتباط الذي لا ينفصم وجد عبر التاريخ ومراحل تطور الفلسفه الكثير من القلاسفه المهندسين كرينية ديكارت ،ولايبنيتس وارخميدس ،ودافنشي وابن الهيثم والبيروني واخوان الصفا وغيرهم كثير .
وحقيقة إذا أردت معرفة فلسفة أي شعب أو حضارة فانظر إلى أثارهم كالاهرامات المصرية واهرامات المكسيك والمعابد والمراصد القديمه والمقابر والهياكل الضخمه التي تركوها وكأن لسان حالهم يقول "أنا أشيد وأبني إذن أنا سابقى ولن يتلاشى ذكري" وهذا معنى يحمل مدلول فلسفي عميق عن الخلود وتحدي الفناء وهزيمة الزمن بالأضافه الى ما حملته هذه الهندسه القديمه من معاني فلسفية عن التناغم مع الكون من خلال الربط بين السماء والأرض وتقديس وأحترام قيم الجمال والعداله والقوه والتعاون والأخلاق .
والهندسة عند الفيلسوف ليست هياكل ميته وجامده صماء ومفروضه وخطوط مستقيمه بلا معنى بل ينبغي أن تكون تجربه شعورية روحية تداعب الخيال وتجعله يحلق متحررا من أغلاله الأرضية المفروضه عليه وتجعله يستجيب للمتغيرات ويتكيف مع محيطه وبيئته لذا نشأت من رحم الفلسفه أتجاهات فلسفية تتناغم مع هذه الرؤية كالفلسفه التفكيكية التي تحاول التحرر من الأشكال الهندسية التقليدية الجامده وتعيد صياغتها وقولبتها بمنظور جمالي مبتكر يحمل معاني بعيدة عن الرتابه والملل ونستذكر هنا تجربة الفيلسوف والمهندس النمساوي لودفيغ فينغنشتاين والذي حاول بعقلية المهندس الفيلسوف إضفاء طابع فلسفي عند تصميمه وإشرافه على بناء منزله من خلال التركيز على الضرورة ودون اغفال الجمال لا الأبهار .ولا ننسى أعمال المهندسه العراقية المميزه زها حديد التي أضفت جوانب فلسفية في أعمالها ومنها كما ذكرنا الفلسفه التفكيكية في تصميماتها الهندسية المميزه .
ختاما
الهندسه والفلسفه مترابطتين بشكل كبير لا يمكن تجاهله وهندسة بدون فلسفه كما ذكرنا ستكون علم تقني جامد يبني مباني وجسور وهياكل ضخمه ولكنها ستكون مباني لن تستشعر الاحتياجات الروحية لقاطنيها من الناس وتأثير هذا عليهم وعلى البيئه المحيطه وجسور مقطوعة التواصل وبالتأكيد ستفتقد الهندسه بدون الفلسفه البوصله التي توجهها وستجهل الغاية من الهدف وتصبح تكنولوجيا صماء لا تخدم الحياة ولا القيم التي تمثلها هذه الحياة .
وبالمقابل فلسفه بدون هندسه ستصبح مجرد أسئلة حالمه غير منضبطه منفصله عن الواقع تسير باتجاه الميتافيزيقا لأنها تفتقد للقياس والنماذج والأدوات التي تنظم أفكارها والتي توفرها الهندسه