الوعي الجماعي وهيمنة الذكاء الاصطناعي
نُشر في ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦ م
عندما نتحدث عن الوعي فأننا نكاد نقترب من حاله مبهمه لا ندرك بالضبط ما الذي يجعلها تتجلى وتظهر لتصبح ملحوظه ومحسوسه ولطالما شكلت جدلا ونقاش معمق بين الفلاسفه والعلماء على مدى الأف السنين الماضية ولكن أجمالا يمكن تعريف الوعي على أنه حالة الأحساس وادراك الأشياء والشعور بها والذي من الممكن أن يتطور ويتمايز ليصبح وعي ذاتي منفصل عن الأخرين ويمتلك أحساس بالأستمرارية الزمنية وذاكرة وتاريخ ولغه وعاطفه وأنفعال وقدرة و إرادة ويفصح عن نفسه بحالة "انا موجود " .
ولو حاولنا الإحاطة بهذا المفهوم ضمن إطار العلم فإن الفيزياء مثلا لا تمتلك تعريف للوعي ولا يعد مفهوما فيزيائيا بالمعنى المعروف ولا قوة أساسية كباقي القوى الأربع المعروفه في الكون ولا يظهر في معادلات وقوانين نظريات الفيزياء الراسخه كميكانيكا الكم التي تخلو مفاهيمها العميقه كالتشابك الكمي ودالة الموجه ومبدأ عدم اليقين وتفسير كوبنهاجن والنفق الكمومي وغيرها من وصف حاسم للوعي سواء أكان فردي أو جماعي رغم أن بعض الفرضيات التي لا تتسم بالأجماع هنا وهناك تذهب إلى أن الوعي ربما يكون خاصية كمية أساسية في الدماغ تعمل على تنظيم تعقيدات الماده وسهولة تدفق المعلومات من دون أن تحدث تغيير في القوانين وتبقى خاضعه لهذه القوانين وجل ما تفعله إكساب هذه القوانين معنى .
أما مفهوم الوعي الجماعي فقد نشأ بداية في إطار علم الأجتماع من خلال العالم الفرنسي ومؤسس علم الأجتماع الحديث أميل دوركايم ولكن في الواقع كان لهذا المفهوم جذور وأسس وأبعاد فلسفية عميقه تناولها فلاسفه كبار من أمثال جان جاك روسو وهيغل وكارل يونغ وغيرهم فنجد مثلا أفكار من قبيل رغبة ومصلحة المجتمع ككل تفوق رغبة ومصلحة الفرد عند روسو وأفكار الروح الشامله التي توجه الثقافه والمعرفه والتاريخ في حقب معينه عند هيغل ومفهوم اللأوعي الجمعي عند كارل يونغ .
والوعي الجماعي يشمل مجموعة ما يشترك فيه الأفراد من معتقدات وقيم ومشاعر وتجارب مشتركه وأفكار وأساطير وطموحات وتطلعات توحد هؤلاء الأفراد وتعزز تضامنهم وأنتماؤهم وتماسكهم الأجتماعي وقناعاتهم بالعيش وأتخاذ القرار المشترك وتحدد رؤيتهم الشامله نحو أنفسهم والعالم الذي يعيشون فيه .
وهنا يبدو الوعي الجماعي وكأنه مؤشر خفي غير ملموس ولا يمكن قياسه وله أثار غير مباشره قد لا يدركها الفرد .
وإذا ما أخضعنا مفهوم الوعي الجماعي للعلم فأننا نصطدم مره أخرى بحقيقة أن العلم لا يقدم تعريفا محكما له ولا يخرجه عن سياق المسار التطوري أو كونه خاصية تطورية وحسب فالوعي الجماعي وفقا للمسار التطوري ناجم عن صراع البقاء وحاجة الفرد لحماية الجماعه للدفاع عنه وما ينجم عن ذلك من سلوكيات الأمتثال وتشارك المصالح والقيم والنأي عن الصراع الداخلي ضمن هذه الجماعه بمعنى الوعي الجماعي هنا تفاعل مصالح متزامن ضمن الجماعه التي توحد الكل ضمن الأطر التي أشرنا لها والتي شكلت بمجموعها وتراكماتها هذا الوعي الجماعي .
وكما أشرنا فإن الوعي الجماعي يمكن أعتباره مؤشر خفي غير ملموس قد لا يدركه الفرد ومن الممكن أن يصبح ميدان للتحكم والسيطره والتلاعب وقد يجلب معه سلوكيات وممارسات سلبية كالظلم والقهر .......الخ بحجة المحافظه على الأركان الأساسية التي شكلت هذا الوعي الجمعي وهنا يأتي دور التكنولوجيا الرقمية في هذا العصر والتي بات يشكل فيها الذكاء الاصطناعي أدوات مثالية في صياغة وإعادة تشكيل الوعي الجماعي والمجتمعات ككل إما بدفعها نحو الأتجاه الأيجابي أو حرفها نحو الجانب السلبي .
فأدوات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المختلفه تعمل بعمق على تشوية التوازن الطبيعي للوعي الجماعي وتعيد قولبته وتشكيله وتوجيهه من خلال التسريع والتضخيم بأتجاهات مختلفه قد تكون أيجابية كتعزيز النقد وتوسيع المدارك المعرفية وكسر الأحتكار الأعلامي والتضليل، وتعزيز القيم، والأخلاق ولكنها بالمقابل قد تذهب بأتجاه أخر يكرس الهيمنه والسيطره وفرض الأفكار السلبية .
وفي هذا السياق نستحضر هنا أراء وتحليلات الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير الذي صدر في العام 1895 فعلى الرغم أن لوبون عاش في عصر لم تهيمن عليه التكنولوجيا الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي إلا أن تحليله النفسي ووجهة نظره ملفته بهذا الخصوص فقد أشار إلى أن الفرد داخل الجماعه يفقد جزء من وعيه النقدي ويتحول لفرد تتحكم فيه العاطفه والحشد وعليه فإن هذا الحشد أو الجماعه وفقا لجوستاف لوبون أقل ذكاء من الأفراد وأسرع أنفعالا وقابلية للتصديق بمعنى أن العاطفه هنا تسبق العقل في الحشد أو الوعي الجمعي وعقل الحشد بالنسبه له نموذج أدنى يغيب عنه المنطق أحيانا وتهيمن عليه الصوره والرمز فالسيطره على الجماهير أو الحشد عند لوبون لا تتم بالعقل أو النقاش المنطقي بل بالأيحاء والترويض وهي سيطره سلبية منعدمة الأخلاق ومؤقته ولو قاربنا بين مفهوم لوبون وما تمارسه أدوات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي فنستطيع القول هنا وبثقه أن الذكاء الاصطناعي وفقا لتصورات لوبون قد يكون أداة إيحاء جمعي مندفعه قائمه على التفكيك والتضليل وتضخيم الإعتقادات الزائفه ويفقد فيه الفرد العقل النقدي والمسؤولية ضمن حشد سريع الأيحاءومنفعل ويميل للتطرف .
ولوقارنا تصورات لوبون مع ما ذهب إليه سيغموند فرويد مثلا فسنجد أن فرويد كان يرى أن الجماعه أو الحشد رابطه نفسية أو إشباع نفسي بدائي يقوده التقليد واللأوعي والرمز أوالقائد والفرد يذوب في الحشد بسبب حاجته لذلك فالعاطفه عند فرويد لا واعية وهي من يحرك الفرد ويخضعه لسيطرة قيمة رمزية غير مرئية وبهذا المعنى نجد أننا بالفعل نعيش وفقا لتصورات وتحليلات لوبون ضمن الأطار النفسي الذي أشار له سيغموند فرويد .....
وفي ظل أراء لوبون التي ذهبت إلى فكرة أن الحشد لا يفكر ومسكون بالعاطفة والإنفعال يكمن التحدي في قدرة الفرد على النقد والتفكير وهو محاصر طوال الوقت بهذا الكم الهائل من الحشود الرقمية التي تمثل الوعي الجمعي المقولب والمشكل ضمن أدوات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي ومع هذا الدور المتعاظم للذكاء الاصطناعي قد يطرح البعض تساؤل عن مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تكوين وعي خاص به يمكنه من السيطره والهيمنه على الوعي الجماعي .
نشير هنا أن الذكاء الإصطناعي لا يمتلك وعي خاص به بل هو يحاكي السلوك ولا يحاكي الأحاسيس ولا يمكن أعتباره تجربه داخلية مرتبطه بمشاعر كالفرح والألم وتقدير العواقب والقدرة على تحمل المسؤولية الأخلاقية والمسائله ومعنيه بأدراك الذات والأخرين .
ختاما
مع أستبعاد وعدم واقعية فرضية هيمنة وسيطرة الذكاء الاصطناعي على الوعي الجماعي فهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من أهميته فهو لم يعد اليوم مجرد تقنية وحسب بل بات يمتلك تأثير عميق في الوعي الجماعي وتشكيل الرأي العام على وسائل التواصل وتغيير مفهوم الحقيقه وتعطيل التفكير النقدي وإضعاف المسؤولية الأخلاقية وتراجع الذاكره وإعادة برمجة القيم وكثير من الجوانب السلبية التي يمكن من خلال وضع قوانين صارمه تجبر مثلا منصات التواصل على ضرورة الشفافية في الإفصاح عن خوارزمياتها وبهذه الخطوات التي تحد من سلبيات أدوات الذكاء الاصطناعي على الوعي الجماعي يمكن بالمقابل الإستفاده من هذه الأدوات والخوارزميات في توسيع نطاق الوعي المعرفي والنقدي وكشف التلاعب والتزييف والتضليل وإحياء الذاكره الجماعية وتوسيع مدارك المعرفه والإبداع ..
الهدف هنا ليس منع التكنولوجيا وأدواتها المختلفه بل تشييد مناعه جماعية ذاتية تقاوم التلاعب بالوعي الجماعي ومنع إنزلاقه نحو أتجاهات أخرى سلبية تجعله وعي جماعي فارغ من معناه ومشوه ولا يمتلك قدرة على النقد ..