
الذات المشوَّهة
١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
يبحث المقال في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على إدراك الإنسان لذاته ورفاهيته النفسية، موضحًا كيف يؤدي التركيز على المظاهر والتقييم الاجتماعي إلى اتساع الفجوة بين الحياة الواقعية والصورة التي يسعى الفرد إلى عرضها أمام الآخرين. ويستهل الموضوع بحالة المؤثر البريطاني ليفي جيد ميرفي، الذي أنفق مبالغ كبيرة على الإجراءات التجميلية، ويقيس نجاح صوره بعدد الإعجابات التي تحصل عليها، بما يوضح كيف يمكن للتقييم الرقمي أن يؤثر في القرارات المتعلقة بالمظهر الشخصي. يربط المقال هذه الظاهرة بأفكار الفيلسوف غي ديبور في كتابه «مجتمع الاستعراض»، الذي تناول انتقال الحياة الاجتماعية من الاهتمام بالتملك إلى الاهتمام بالظهور. ويشير إلى أن المخاوف بشأن الآثار النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي ازدادت مع ارتباط استخدامها بالاكتئاب والقلق والإدمان، لكن فهم الآليات الإدراكية التي تنتج هذه الآثار يتطلب تفسيرًا أعمق. يعتمد المقال على نظرية المعالجة التنبؤية، التي ترى أن الدماغ يبني نموذجًا ذهنيًا للعالم ويستخدمه لتوقع الإشارات الحسية والأحداث المحيطة به. وعندما تختلف المعلومات الواردة عن التوقعات، ينشأ ما يُعرف بخطأ التنبؤ، الذي قد يسبب التوتر ويدفع الفرد إلى تعديل فهمه للعالم أو اتخاذ إجراءات لتغيير البيئة المحيطة. ويساعد التعامل المرن مع هذه الأخطاء على التكيف، بينما قد يؤدي العجز عن تعديل التوقعات إلى استمرار الانزعاج وتراجع الشعور بالقدرة على التحكم. وفق هذا الإطار، تقدم منصات التواصل الاجتماعي معلومات منتقاة ومعدلة عن الحياة والمظهر والسعادة والنجاح، فتجعل المستخدم يقارن واقعه بصور مثالية لا تمثل بالضرورة الحياة الفعلية. ومع تكرار التعرض لهذه الصور، قد يتغير النموذج الذهني الذي يعتمد عليه الفرد في تقييم نفسه والعالم. وتصبح الفجوة بين المظهر الرقمي والواقع مصدرًا متزايدًا للتوتر والشعور بالنقص. ويقدم المقال جراحات التجميل المتأثرة بالفلاتر الرقمية مثالًا على محاولة تغيير الواقع الجسدي ليتوافق مع توقعات تشكلت عبر الصور الافتراضية. ويشرح المقال كيف يمكن لاستمرار الفشل في بلوغ هذه التوقعات أن يقود إلى توقع الفشل مستقبلًا، خصوصًا عندما يعجز الفرد عن تعديل معاييره بناءً على التجارب الواقعية. ويربط ذلك بتفسيرات بحثية للاكتئاب تركز على الجمود الإدراكي وضعف الاستجابة المرنة للمعلومات التصحيحية، وما قد يصاحبهما من العجز والعزلة وفقدان الدافع والمتعة. كما يناقش المقال الطبيعة الإدمانية لتصميم المنصات الرقمية، موضحًا أن الإعجابات والتعليقات والمشاركات والإشعارات والتمرير المستمر للمحتوى تخلق دورة من الترقب والمكافآت غير المؤكدة. ويشبه التمرير لتحديث الصفحة سحب ذراع آلة القمار، لأن المستخدم لا يعرف مسبقًا ما سيظهر له. وتزيد القدرة على الوصول المستمر إلى محتوى جديد والتفاعل مع أعداد كبيرة من الأشخاص من شدة هذا التحفيز. ويستعين المقال بمفهوم المنبهات المفرطة لتفسير كيف يمكن للمحتوى الرقمي المصمم بعناية أن يتجاوز أنماط المكافأة المعتادة ويعزز السلوكيات المتكررة. ويخلص المقال إلى أن الضرر لا ينتج فقط من عدم أصالة المحتوى، بل أيضًا من تصميم المنصات الذي يستثمر في جذب الانتباه وترسيخ العادات بهدف تحقيق الربح. وإذا كانت هذه الآليات تسهم في الإدمان والاكتئاب وتدهور الرفاه النفسي، فإن فهمها يدعم الدعوات إلى إعادة النظر في تصميم وسائل التواصل الاجتماعي وتشغيلها وتنظيمها. ويظل تقليل الوقت الذي يقضيه الفرد على الإنترنت أحد سبل الحد من آثارها، وإن كان التوقف عن الاستخدام صعبًا عندما تكون المنصات مصممة لتعزيز الترقب والسلوك المتكرر.
الفكر والفلسفة
عرض المساهمة