حدود لم تنجح في اغتيال وحدة الهوية: كردستان
مقال يناقش تاريخ الشعب الكردي وتوزعه الجغرافي وأسباب عدم تمكنه من إقامة كيان سياسي موحد رغم وحدة هويته الثقافية.
قرابة الثلاثين مليون كردي يقطنون زهاء النصف مليون كم٢ من الجغرافيا الجبلية ذات التضاريس الوعرة في الهضبه الأيرانية (جبال زاغروس) وجبال طوروس التركية ويتوزعون ضمن حدود أربع دول أقليمية ومحورية في الشرق الأوسط هي تركيا وأيران والعراق وسوريا حالت دون تحقيق أحلامهم في بناء كيان سياسي قومي موحد .
وعندما نتحدث عن الشعب الكردي فإننا في الواقع نتحدث عن كيان قومي قديم وأصيل في الشرق الأوسط والجنوب الغربي من القاره الأسيوية يعود للألف الأولى قبل الميلاد وتحديدا وبحسب أغلب المؤرخين إلى أسلافهم الميديين القدماء وهم أحد الشعوب الهندأوروبية التي قطنت في الماضي هذا الجزء من العالم وتحدثت لغه ولهجات من أرومة اللغات الهنداوروبية .
وفي ظل هذه الجغرافيا الجبلية التي حددت أبرز ملامح هويتهم كالشجاعه والصبر وعدم الخضوع والإنتماء والتطلع نحو الحرية وروح الأستقلال والتماسك الأجتماعي عاش الاكراد جنب إلى جنب مع جيرانهم من الشعوب الأخرى كالعرب والفرس والأتراك والأرمن وغيرهم وساهموا في أحداث وتشكيل خرائط هذه المتطقه وعاشوا في ظل الأمبراطوريات والممالك والكيانات السياسية التي حكمت هذه المتطقه منذ القدم كالأخمينيين والساسانيين وممالك حوض الرافدين والأغريق والرومان والعرب المسلمين والخلافه العثمانيةوغيرهم .
وفي كل مراحل تاريخهم أنخرطوا في نسيج مجتمعاتهم وقدموا رموز وشخصيات فريده لا تنسى في السياسه والقياده والعلم والأدب ولعل أبرزهم على الإطلاق الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي هزم الصليبين في حطين وحرر القدس في العام 1187 ميلادي .
وعلى الرغم من هذا الحضور اللأفت للاكراد إلا أنهم لم يتمكنوا من إنشاء كيان سياسي موحد يجمعهم وجل ما أستطاعوا تحقيقه هو حكم ذاتي أو إمارات صغيره محلية لم تحكم لفترات طويلة كإمارة بوتان وإمارة سوران وجمهورية مهاباد والدوله الأيوبية ....الخ كل هذه الكيانات السياسية الكردية كانت تدين بالولاء والطاعه لكيان سياسي مركزي مسيطر في كل حقبه زمنية وفي عصرنا الحالي نجحوا في الحصول على حكم ذاتي في العراق وإدارة ذاتية(روج آفا) في سوريا علما أن نسبة المكون الكردي في الدول العربية أقل من نسبتهم في كل من إيران وتركيا وهذا يدل على روح التسامح التي تميز العرب بها أتجاه أشقاؤهم من القوميات الاخرى والذين يشاركونهم الديانه و المعتقد نفسه ، لا سيما الكرد الذين يدين النسبه الأكبر منهم بالمذهب السني ..
وإذا ما عدنا إلى الدور الذي لعبته الدول الأستعمارية في رسم خرائط الشرق الأوسط مطلع القرن الماضي فعلى وقع اتفاقية سايكس بيكو في العام 1916 تعرض الأكراد مثلهم مثل جيرانهم العرب للخديعه من قبل المستعمر الغربي فمعاهدة سيفر في العام 1920 تضمنت وعود بإقامة كيان سياسي للكرد لكن ما لبث أن عاد المستعمر في معاهدة لوزان في العام 1923 وبعد تفاهمات مع الدوله التركية إلى تكريس تقسيم كردستان بين أربع دول وهي كما ذكرنا (العراق وسوريا وتركيا وإيران ) وهو الوضع القائم الآن والذي من خلاله حاولت هذه الدول منع اي محاولة انفصاليه أستقلالية من جانب الاكراد وتكريس إذابة المكون الكردي وأستيعابه ضمن هذه الدول المركزية متعددة القوميات مع أغفال حقوقهم الثقافية واللغوية . وأقصى ما أستطاع الكرد تحقيقه ضمن نطاق هذه الدول هو الحصول على حقوق ثقافية ولغوية في تركيا و حكم ذاتي كما ذكرنا في العراق في العام 2005 وإدارة ذاتية روج آفا في العام 2014 في سوريا ورغم محاولات الاكراد المتكرره والدموية أحيانا لتكوين كيان سياسي موحد وصولا لكردستان الكبرى إلا أن هذه الدول الأربعه أتفقت على عدم السماح بأي محاولات أنفصالية وقاومت ذلك بجميع السبل والإمكانات .
وقد لعبت عدة عوامل ساهمت في عدم قيام كيان سياسي موحد ومستقل للأكراد منها الطبيعه الجغرافية الجبلية لأماكن تواجدهم والتي أبقت المجتمع الكردي ضمن نطاق القبلية والعشائرية المحلية المنقسمه سياسيا وحزبيا وأيدولوجيا والتي حالت بدورها دون وجود قيادة موحدة تحمل وتقود المشروع القومي الكردي، كما ساهم الرفض الإقليمي في ذلك نظرا لتوزع الاكراد على جغرافيا أربعة دول وتداخل أماكن تجمعاتهم مع تجمعات المكونات الأخرى في مناطق كثيرة ولا نغفل هنا عدم وجود دعم دولي صادق يتبنى المشروع القومي الكردي
ختاما ..
ربما يكون من الأجدى للأكراد في ظل الوضع الدولي والأقليمي الحالي المطالبه بحكم ذاتي كبديل واقعي عن الإنفصال والأستقلال الذي لن يكون بأي حال من الأحوال سهل المنال ولن تسمح به الدول الاقليمية الأربعه وقد يكون نموذج الحكم الذاتي في كردستان العراق نموذج مقبول ومنصف لهم وقد أثبت بالفعل أنه نموذج ناجح وأمتاز بالأستقرار وأرتفاع معدلات النمو الأقتصادي والتطور المواكب للعصر الذي شهده الأقليم خلال السنوات القليله الماضية وقيادته الناجحه التي تبنت نهجا واضحا في بناء علاقات دولية مستقره ودائمه مع جميع الأطراف الدولية الفاعله في العالم والدول المجاوره والدوله المركزية في العراق مع مزيد من خطوات الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية في الدول الأخرى بما يسهم في الحفاظ على الهوية الكردية الأصيله حيث أثبت التاريخ أنه على الرغم من عدم تحقيق كيان سياسي موحد للأكراد إلا أن الهوية الثقافية واللغه كانت على الدوام المصدر الأول لوحدتهم وتطلعاتهم المشروعه على الرغم من توزع وجودهم في أكثر من دوله فكردستان ربما تكون وحدة هويه ورمز انتماء لهذاالشعب العريق قبل أن تكون جغرافية تمزقها الحدود الوهمية التي أصطنعها البشر لهذا لم يغب هذا الشعب من ذاكرة التاريخ ومسرح أحداثه