ماذا يحدث عندما نعطي طفلًا فرصة ليمسك قطعة من التكنولوجيا بيده، ونقول له: جرّب؟
قد تبدو الإجابة بسيطة، لكن خمسة عشر يومًا قضيتها مشرفةً على نادي الروبوت والابتكار ضمن المخيم الصيفي الخمسين للفتيات والفتيان الأيتام جعلتني أكتشف أن التجربة يمكن أن تكون أكبر بكثير من مجرد تعلم البرمجة أو بناء روبوت.
ضمن فعاليات المخيم، وبإشراف مديره الأستاذ فادي عادل، وبدعم من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، أُتيح للأطفال أن يخوضوا تجربة تعليمية عملية تجمع بين التكنولوجيا والتعلم والتعاون والإبداع.
في نادي الروبوت والابتكار، استخدمنا LEGO Education WeDo 2.0، وانتقل الأطفال من التعرف إلى مكونات الروبوت ووظائفها إلى بناء نماذج وبرمجتها وتشغيلها بأنفسهم. تعرّفوا إلى المحركات والحساسات، واكتشفوا كيف يمكن لأمر برمجي بسيط أن يتحول إلى حركة حقيقية أمام أعينهم.
لكن ما كان يحدث داخل النادي لم يكن متعلقًا بالروبوت وحده.
كانت كل تجربة تحمل معها درسًا مختلفًا.
عندما لا يعمل النموذج من المحاولة الأولى، يبدأ البحث عن السبب. وعندما تكون النتيجة مختلفة عما توقعه الطفل، يعيد التفكير ويجرب حلًا آخر. ومع كل محاولة، يتعلم الطفل أن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن الوصول إلى الحل يحتاج إلى الصبر والتجربة والاستمرار.
ومع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تحولًا في طريقة تعامل الأطفال مع التحديات.
في البداية، كان بعضهم ينتظر التعليمات قبل أن يبدأ، ثم أصبح أكثر جرأة في طرح الأسئلة واقتراح الحلول. لم يعد السؤال فقط: «كيف ننفذ هذه الفكرة؟»، بل بدأ يظهر سؤال أكثر أهمية: «ماذا لو جربنا أن نفعلها بطريقة مختلفة؟»
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتعليم القائم على الابتكار.
فالهدف من تعليم الروبوت لا يقتصر على أن يتمكن الطفل من تركيب نموذج وتشغيله، وإنما أن يكتسب طريقة في التفكير تساعده على فهم المشكلة، وتحليلها، وتجربة الحلول، والعمل ضمن فريق، والاستمرار عندما لا تنجح المحاولة الأولى.
هذه مهارات لا تنتهي بانتهاء المخيم، بل يمكن أن ترافق الطفل في مدرسته وحياته ومستقبله.
الابتكار ليس ترفًا
نحن نعيش في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة والتعليم والعمل. ومع ذلك، ما يزال وصول الأطفال إلى مساحات تتيح لهم صناعة التكنولوجيا وفهمها أقل من مجرد استخدامها.
وهنا يأتي دور الأنشطة التعليمية القائمة على الابتكار.
فالطفل الذي يستخدم الهاتف أو الحاسوب يتعلم كيف يستخدم أداة، لكن الطفل الذي يبني نموذجًا، ويبرمجه، ويكتشف سبب عدم عمله، ثم يحاول إصلاحه، يتعلم شيئًا أعمق: كيف يفكر.
وهذا هو الفرق بين تعليم الطفل استخدام التكنولوجيا، وتعليمه أن يكون قادرًا على التعامل معها بوصفها مجالًا للإبداع والإنتاج.
من الفكرة إلى الثقة
على مدار خمسة عشر يومًا، لم تكن قاعة نادي الروبوت مجرد مكان للتدريب. أصبحت مساحة للتجربة والتعاون وتبادل الأفكار.
كان الأطفال يبنون النموذج، يبرمجونه، يشغلونه، ثم يكتشفون أن النتيجة ليست كما توقعوا. فيعيدون المحاولة، ويغيرون بعض الأوامر، ويبحثون عن المشكلة.
وفي كل مرة ينجح فيها الروبوت بالحركة بالشكل الصحيح، كانت فرحة الأطفال تتجاوز نجاح نموذج صغير من قطع LEGO.
كان الطفل يرى أمامه نتيجة فكرة كانت قبل دقائق موجودة فقط في رأسه. وهنا يصبح النجاح التقني وسيلة لبناء شيء آخر أكثر أهمية: الثقة بالنفس.
زيارة تحمل رسالة
ومن المحطات المهمة التي رافقت فعاليات المخيم، الزيارة الميدانية التي قام بها مدير شؤون وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في الأردن، السيد مايكل أمانيا إيبي (Michael Amanya Ebi)، ونائب المدير العام للعمليات، السيدة غلنورا بورخانوفا (Gulnora Burkhanova)، للاطلاع على سير الأنشطة والبرامج المقدمة للمشاركين.
وخلال الزيارة، اطّلع الوفد على عدد من الأندية والبرامج التعليمية والترفيهية، وكان نادي الروبوت والابتكار إحدى المساحات التي تم الاطلاع على جانب من أنشطتها، وما تقدمه للأطفال من تجارب تقنية وتطبيقية تسهم في تنمية مهاراتهم في التفكير الإبداعي وحل المشكلات والعمل الجماعي.
كانت الزيارة بالنسبة لي لحظة مهمة؛ لأنها تؤكد أن الاستثمار في تعليم الأطفال وتنمية مواهبهم ليس نشاطًا جانبيًا، بل جزء من بناء بيئة تساعدهم على اكتشاف قدراتهم وتوسيع آفاقهم.
عندما يصبح الطفل صانعًا
في نهاية المخيم، وقف الأطفال أمام الحضور واللجنة ليقدموا مشاريعهم ويشرحوا ما تعلموه وما قاموا ببنائه وبرمجته بأنفسهم.
لم يكن العرض مجرد تقييم لمشاريع تقنية.
كان لحظة يمكن من خلالها رؤية أثر الأيام الخمسة عشر: أطفال أصبحوا أكثر قدرة على الحديث عن أفكارهم، وأكثر استعدادًا للتجربة، وأكثر ثقة في عرض ما صنعوه بأنفسهم.
ومن موقعي كمشرفة على نادي الروبوت والابتكار، كانت مشاركتي في المخيم أكثر من مجرد مهمة تدريبية. كانت تجربة مهنية وإنسانية أعتز بها، وفرصة لأكون جزءًا من رحلة تعليمية قصيرة في حياة هؤلاء الأطفال، آملة أن تترك أثرًا يمتد إلى ما بعد انتهاء المخيم.
وأعتقد أن مسؤوليتنا تجاه الأطفال لا ينبغي أن تتوقف عند تقديم النشاط أو المعلومة.
علينا أن نمنحهم الفرصة لاكتشاف ما يستطيعون فعله، وأن نفتح أمامهم أبوابًا للعلم والتكنولوجيا والإبداع، وأن نساعدهم على الانتقال من موقع مستخدم التكنولوجيا إلى موقع المبتكر وصانع الحل.
قد تنتهي خمسة عشر يومًا، وتعود قطع LEGO إلى صناديقها، وتنتهي الأنشطة، لكن الأثر الحقيقي قد يستمر.



