يتناول المقال ما يشهده الشرق الأوسط من تحولًا استراتيجيًا عميقًا لم يعد من الممكن تفسيره من خلال الصراعات السياسية والمذهبية والعسكرية وحدها، بل أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالتنافس على الطاقة والممرات البحرية ومناطق النفوذ والبنية التحتية الاستراتيجية. فالمنطقة التي كانت طوال القرن العشرين مركزاً لصراع القوى الكبرى على النفط، تتجه في القرن الحادي والعشرين إلى مرحلة جديدة أصبح فيها الغاز الطبيعي، ولا سيما غاز شرق البحر المتوسط، عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات الإقليمية.
أما فكرة «خطة لويس» بمعناها المتداول اليوم، فقد جرى تطويرها وتعميمها بدرجة كبيرة في الأدبيات السياسية التي ظهرت لاحقاً، ولا سيما الأدبيات التي ربطت بين بلقنة المنطقة والتدخل الغربي. كما ظهرت لاحقاً خرائط أخرى، أشهرها خريطة رالف بيترز المنشورة عام 2006، والتي أعادت تصور حدود الشرق الأوسط وفق اعتبارات إثنية وطائفية. ولذلك فإن الاستخدام الأكاديمي الأفضل للمفهوم هو اعتباره إطاراً نقدياً لتحليل أطروحات إعادة تشكيل المنطقة وليس وثيقة استراتيجية مثبتة.
غير أن التحفظ على نسبة «الخطة» إلى لويس لا يعني أن مسألة إعادة تشكيل الشرق الأوسط غير موجودة. فقد شهدت المنطقة بالفعل منذ الحرب العالمية الأولى إعادة رسم للحدود، ثم شهدت منذ نهاية الحرب الباردة سلسلة من الحروب والانقسامات والتدخلات الدولية التي أضعفت سيادة بعض الدول. والمفارقة التاريخية أن العامل الطاقوي أصبح في الوقت نفسه جزءًا اساسيًامن هذه الجغرافيا الجديدة.
والأهم من البحث عن"خطة سرية" لتقسيم الشرق الأوسط، هو دراسة النتائج الجيوسياسية الفعلية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة: ضعف الدولة المركزية في عدد من البلدان، نشوء مناطق نفوذ متنافسة، تدخل القوى الدولية، إعادة تشكيل التحالفات، ثم ظهور عامل الطاقة بوصفه عنصرًاجديدًا في هذه العملية. حيث أصبح شرق البحر المتوسط واحدًا من أهم المجالات الجيو-اقتصادية الصاعدة في المنطقة، نتيجة اكتشاف حقول غاز في المياه المقابلة لإسرائيل ومصر وقبرص، ووجود حقل غزة البحري، ثم دخول سورية لاستكشاف مواردها البحرية من الغاز والهيدروكربونات.
وتكمن أهمية هذه المنطقة في أنها تجمع بين الغاز والأسواق الأوروبية والموانئ والممرات البحرية والحدود البحرية المتنازع عليها. وبالتالي فإن السيطرة على موارد الطاقة لا تعني فقط امتلاك مورد اقتصادي، وإنما تعني أيضًا امتلاك أوراق تفاوضية وأمنية وسياسية. وقد اتخذ هذا التطور بعدًا عمليًا في سورية خلال 2026، عندما وقعت “Total Energies” و “Qatar Energy” و“Conoco Phillips” اتفاقًا لدراسة إمكانات القطاع البحري السوري رقم 3 قبالة الساحل السوري. كما أعلنت تركيا استعدادها للتعاون مع سورية في البحث عن النفط والغاز، وهو ما يكشف أن مستقبل الساحل السوري قد يصبح جزءًا من الاستراتيجية التركية في شرق المتوسط.
سورية: الجغرافيا بين الطاقة والممرات الاستراتيجية
تكتسب سورية أهمية استثنائية لأنها تقع عند تقاطع أربعة مجالات: شرق المتوسط، وتركيا، والعراق، والعالم العربي. لذلك فإن استقرارها لا يرتبط فقط بأمنها الداخلي، بل بمستقبل طرق الطاقة والنقل بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا. وقد بدأت تظهر بالفعل مشاريع تهدف إلى إعادة سورية إلى موقعها كحلقة وصل للطاقة. ومن أبرزها مشروع محتمل لإعادة بناء خط النفط بين العراق وميناء بانياس السوري، بما يسمح للعراق بتصدير جزء من نفطه عبر البحر المتوسط بدلاً من الاعتماد الكامل على الخليج ومضيق هرمز. وهنا يصبح الصراع على سورية أكثر من مجرد صراع على السلطة أو النفوذ السياسي. فسورية يمكن أن تصبح دولة عبور ومركزًا للطاقة والتجارة، وهو ما يمنحها أهمية إضافية في التنافس بين تركيا وإيران وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة والدول العربية.
شرق المتوسط بين تركيا وإسرائيل
من المرجح أن تكون تركيا وإسرائيل من أهم طرفين في الصراع المستقبلي على شرق المتوسط. تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كقوة بحرية وطاقة إقليمية، وتعتبر أن ترتيبات الحدود البحرية بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر قد تحد من قدرتها على الوصول إلى الموارد والأسواق. وفي المقابل، عملت إسرائيل خلال السنوات الماضية على تطوير حقولها البحرية وتعزيز تعاونها مع قبرص واليونان ومصر.
ولهذا لم يعد التنافس التركي-الإسرائيلي محصورًا في سورية وفلسطين، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بمستقبل شرق المتوسط. وقد ازدادت حدة هذا التنافس في 2026، بالتزامن مع التوتر حول الدور التركي في سورية والتعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص. كما أن النزاع التركي-اليوناني حول المناطق الاقتصادية الخالصة والحدود البحرية يضيف طبقة أخرى إلى الصراع. فالمنافسة لم تعد فقط على الجزر أو المياه الإقليمية، وإنما على المجال البحري الذي قد يحتوي على موارد طاقة ويمر عبره مستقبل شبكات الكهرباء والغاز.
غزة ولبنان بين الطاقة والسيادة
يمثل حقل Gaza Marine مثالًا واضحًا على العلاقة بين الموارد الطبيعية والسيادة السياسية. فقد اكتُشف الحقل قبالة ساحل غزة منذ أواخر التسعينيات، لكن تطويره ظل معطلًا بسبب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ولا يمكن علميًا القول إن الحرب على غزة نشأت بسبب الغاز؛ فالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي سابق بكثير على اكتشاف الحقل وله جذور سياسية وقومية ودينية وتاريخية معقدة. لكن وجود الغاز يضيف بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا إلى مسألة السيطرة على الساحل والمياه البحرية. وينطبق الأمر بصورة مختلفة على لبنان، حيث أصبحت الحدود البحرية وحقوق التنقيب جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي. وبالتالي فإن الساحل الممتد من غزة إلى إسرائيل ولبنان وسورية ثم قبرص واليونان يمكن النظر إليه باعتباره مجالًا جيو-اقتصاديًا مترابطًا، وليس باعتباره حقلًا غازيًا واحدًا متصلًا جيولوجيًا
مصر والخليج بين الطاقة والممرات
أعلنت مصر سابقًا عن توجهات ملفات سياستها الخارجية تجاه دول المنطقة، المتمثل في تحييد نفسها عن أي صراعات أو تدخلات إقليمية تستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية، والدخول في عصر بناء الدولة، في الوقت الذي تلعب فيه مصر الدور الأكبر والأعظم من خلف الستار، ابتداء من دعم بشار الأسد إلى دعم إيران والتدخل غير المعلن في شؤون السودان، وعرقلة إسرائيل في مخططها للوصول لحقل الغاز في غزة، من خلال منع ورفض مشروع التهجير. لذا تظل مصر لاعبًا مركزيًا في هذه المعادلة؛ بسبب موقعها الجغرافي وقناة السويس ومنشآت تسييل الغاز في إدكو ودمياط. ولذلك فإن قيمة مصر لا تتحدد فقط بحجم احتياطياتها، وإنما بقدرتها على معالجة الغاز وتسييله وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تكون مصر وتركيا من أبرز المستفيدين من التحول في خريطة الطاقة الإقليمية؛ فتركيا تمتلك موقعًا استراتيجيًا بين روسيا والشرق الأوسط وأوروبا وشبكة متنامية من البنية التحتية للغاز، بينما تمتلك مصر منشآت تسييل وموانئ وموقعًا على قناة السويس. وقد أصبحت المنافسة في شرق المتوسط تنتقل تدريجيًا من سؤال "من يملك الغاز؟" إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع نقله وتسويقه والتحكم في بنيته التحتية؟ أما السعودية وقطر والإمارات، فإنها ستظل مرتبطة بهذا الصراع بسبب مكانتها في سوق الطاقة العالمي، بينما ستظل إيران لاعبًا أساسيًا بسبب موقعها على مضيق هرمز وقدرتها على التأثير في أمن الخليج ومشاريعها للسيطرة على مصادر الطاقة في سوريا بالتعاون مع روسيا في السنوات الماضية.
القوى الكبرى: من السيطرة المباشرة إلى التنافس متعدد الأقطاب
تدخل هذه التحولات في إطار أوسع من المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على بنية أمنية إقليمية تضمن أمن إسرائيل والخليج والممرات البحرية، بينما تسعى أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل مخاطر الاعتماد على مصادر محدودة. وتحتفظ روسيا بمصالح استراتيجية في سورية وشرق المتوسط، بينما تركز الصين بصورة أكبر على التجارة والاستثمار وأمن الطاقة والموانئ. لكن من الخطأ اختزال المنطقة في "معسكر شرقي" مقابل "معسكر غربي". فتركيا والسعودية ومصر وقطر وإسرائيل وإيران تتبع بدرجات مختلفة سياسة تعدد الشراكات، بحيث يمكن للدولة الواحدة أن تكون شريكًا أمنيًا للولايات المتحدة، وشريكًا اقتصاديًا للصين، وتتعاون مع روسيا أو تركيا في ملفات أخرى. وهذا يعني أن مستقبل المنطقة سيكون أقرب إلى التعددية القطبية المرنة منه إلى انقسام ثنائي شبيه بالحرب الباردة.
مستقبل الصراع: من الحرب على الأرض إلى الحرب على الشبكات
خلال المرحلة القادمة، ستزداد أهمية خمسة مجالات مترابطة: الغاز، الموانئ، خطوط الأنابيب، الممرات البحرية، والكابلات والبنية التحتية للطاقة. ولهذا قد لا يكون الصراع القادم حربًا تقليدية شاملة، وإنما مزيجًا من الضغوط الاقتصادية والعقوبات والهجمات السيبرانية والحروب بالوكالة والعمليات البحرية والضربات المحدودة. وستصبح منصات الغاز والموانئ وخطوط الأنابيب أهدافًااستراتيجية بقدر أهمية القواعد العسكرية. ومن هنا يمكن فهم الصراع المحتمل حول سورية وشرق المتوسط، باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط: فالدولة التي تسيطر على الأرض ولكنها لا تسيطر على طرق الطاقة والتجارة ستظل محدودة القوة، بينما الدولة التي تتحكم في الموانئ والممرات والبنية التحتية والأسواق تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة سياسية.
خاتمة
إن مستقبل الصراع في الشرق الأوسط لن تحدده الحدود السياسية وحدها، بل ستحدده بصورة متزايدة الجغرافيا السياسية للطاقة. ومن غزة وإسرائيل ولبنان إلى سورية وقبرص واليونان، ومن تركيا ومصر إلى الخليج وإيران، تتشكل شبكة جديدة من المصالح تتداخل فيها الطاقة مع الأمن والسياسة والاقتصاد والقوة العسكرية. ومن ثم فإن الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط يجب ألا يقتصر على فكرة "تقسيم الدول"، بل ينبغي أن يشمل مفهوم إعادة توزيع النفوذ والسيادة والموارد وطرق الطاقة في إطار بلقنة المنطقة.
وفي هذا الإطار، فإن ظهور سورية من جديد على خريطة استكشاف الغاز، وتصاعد التنافس التركي-الإسرائيلي، وتطور مشاريع الغاز القبرصي، واستمرار الدور المصري في تسييل وتصدير الغاز، كلها مؤشرات على أن شرق المتوسط يتحول إلى مركز استراتيجي جديد. وعليه، فإن الصراع المستقبلي في الشرق الأوسط قد لا يكون صراعًا بين شرق وغرب بالمعنى التقليدي، بل صراعًا متعدد الأقطاب على من يملك القدرة على التحكم في الجغرافيا والطاقة والممرات والأسواق. وفي هذه المعادلة ستصبح تركيا ومصر والسعودية وإسرائيل وإيران وسورية، إلى جانب قطر وقبرص واليونان، أطرافًا فاعلة في إعادة تشكيل النظام الإقليمي. وبذلك يمكن القول إن المعركة القادمة في الشرق الأوسط لن تكون فقط على "من يحكم الدولة"، وإنما على من يملك الدولة، ومن يسيطر على البحر، ومن يمتلك الطاقة، ومن يتحكم في طرق نقلها إلى الأسواق العالمية. وهذا هو البعد الجيو-اقتصادي الذي ينبغي أن يحتل موقعًا مركزيًا في دراسة مستقبل الصراع الدولي في الشرق الأوسط.



