في المدن حيث الصالونات المكيفة تمتلئ بالمحللين والمتحدثين عن العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، يختلف واقع جنوب كردفان تمامًا، هناك تتخذ العدالة البيئية شكلًا فريدًا: الذهب يغادر بريقه في الطائرات، والمجتمع المحلي يستقبل السيانيد والزئبق كجزء من "التنمية".
- الذهب في السودان يمثل اليوم جزءًا حيويًا من الاقتصاد، خاصة بعد فقدان النفط، حيث بلغ الإنتاج أكثر من 53 طنًا في الأشهر التسعة الأولى من 2025. معظم هذا الإنتاج يأتي من التعدين التقليدي، الذي يعتمد عليه أكثر من مليوني شخص، ويشكل نحو 80٪ من الإنتاج الكلي.
- لكن هذه الثروة الاقتصادية تأتي على حساب البيئة والصحة، وفي مناطق مثل قدير وكلوقي يُستخدم السيانيد والزئبق في استخراج الذهب بطريقة غير منظمة، مما يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية والتربة، ويعرض حياة السكان والماشية للخطر.
- احتجاجات محلية تكررت عدة مرات، مطالبة بإيقاف هذه الأنشطة أو مراقبتها، إلا أن الحلول الرسمية غالبًا ما تتأخر، فيصبح السكان ضحايا لمعادلة صعبة: ذهب مقيم في الطائرات، وحياة تهددها المواد الكيميائية على الأرض.
التناقض واضح:
السلطات والشركات تحتفل بزيادة الإنتاج والربح، بينما المجتمعات المحلية تتحمل العبء الأكبر، حالات نفوق الماشية، تشوهات الولادات، وأمراض مرتبطة بالتلوث، أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في جنوب كردفان. أحيانًا يبدو أن السيانيد هو العامل الاقتصادي الأكثر ولاءً، إذ يضمن استمرار التعدين بينما يترك المجتمعات تكافح لأجل بقاء صحي.
ومع ذلك، ليس كل شيء سوداويًا، هناك محاولات من بعض الجهات لتنظيم عمليات التعدين ومعالجة المخلفات، ودفع شركات مختصة لدخول الولاية بهدف تقليل المخاطر البيئية، لكن التقدم في هذا المجال غالبًا بطيء، ويبدو أن الذهب يسبق البيئة بخطوات واسعة، تاركًا السؤال الأخلاقي مفتوحًا:
كيف يمكن للذهب، هذا المورد الحيوي، أن يصبح قاتلًا مأجورًا، بينما يُحتفل بعوائده الاقتصادية وكأن البيئة مجرد تفاصيل ثانوية؟
في جنوب كردفان، هذه هي الحرب الأخرى: صراع يومي بين من يربح من التعدين، ومن يتنفس الغبار، ويعاني بصمت، ويظل السؤال الحرج: هل يمكن أن تتحقق العدالة البيئية قبل أن تتحول الحياة كلها إلى مادة خام قابلة للربح؟